فقد بين رضي الله عنه كيفية مجاهدتها وعملك الجيلة في أخذها وذلك أن تدخل معها شيئاً فشيئاً فتعلمها الصمت وحده ثم العزلة ثم تقدمها للخراب شيئاً فشيئاً تقدمها لقليل فإذا استأنست به زدتها شيئاً آخر وهكذا فأحب الأعمال إلى اله أدومها وأن قل ولا يعملها البطالة فورده من العمل الذي تموت به لا يتركه وقد كنت في حالة المجاهدة إذا هممت بترك وردي نادتني هواتف الأكوان حتى كنت في بعض الأيام تخاطبني الصبيان يا هذا اليهودي حين نهتم بترك وردي نسمع يا عساس حين يسرقني شئ من الحس وهكذا وكانت مجاهدتي لنفسي كلها سياسة لم أحملها من المرة الولي إلا ما تطيقه حتى تستأنس به ثم نزيدها حتى كنت نفعل بها ما نشاء قال بعض العارفين انتهى سير الجالبين إلى الظفر بنفوسهم فإن ظفروا بها وصلوا وما ذكرته من السياسة للنفس والاحتيال عليها هو الصواب قال في المباحث
واحتل على النفس قرب حيلة ... انفع في النصر من قبيله
وأما أن حملها من أول مرة ما لا تطيقه فإنها تسقط وتمل وربما ترجع بالكلية قال صلى الله عليه وسلم اكفلوا من العمل ما تطيقونه فإن الله لا بمل حتى تملوا وقال لا يكن أحدكم كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقي والمنبت هو المنقطع وحاصل ما ذكره الشيخ في هذه الحكمة أن النس على قسمين قسم لا سير لهم إذ لا توجه لهم إلي فهم واقفون مع ظاهر الشريعة كلما أباحته الشريعة أخذه كان ثقيلاً على النفس أو خفيفاً بل لا يأخذون إلا الخفيف لأنهم يقصدون رخص الشريعة وتسهيلها مما يوافق هواهم فلم يغيروا من عوائدهم وشهواتهم شيئاً فعزهم وافر وجاههم باق ودنياهم في الزيادة وهؤلاء عوام المسلمين وقسم شاقت نفوسهم إلى حضرة الملك وغلبهم الشوق فتوجهوا إلى حضرته واشتغلوا بمجاهدة نفوسهم ومحاسبتها فكل ما يثقل عليها أدخلوها فيه وهي تموت وكل ما يخف عليها جنبوها منه وهي تبكي هكذا يدومون عليها حتى ترتاض وتلين وحينئذ تطاوعهم فيما يريدون فأول ما يجاهد المريد في ترك الدنيا أو التخفيف حتى لا يبقى ما يشغله عن ربه ثم في ترك الناس والفرار منهم يتنكر لمن يعرف ولا يتعرف ثم في إسقاط المنزلة والجاه حتى يسقط من عين الناس ويسقط الناس من عينه ثم في الذل والانكسار قلباً وقالباً بالمشي بالحفا وتعرية الرأس وغير ذلك فإذا تحققت بالذل والتواضع والخمول والفقر وسكنت في ذلك واستحلته فقد تمكن منها وملكها بل ملك الكون كله
ونفسك تحوي بالحقيقة كلها ... أشرت بجد القول ما أنا خادع
فكل من ملك نفسه فقد ملك الوجود بأسره فلولا مجاهدة النفوس ومحاربتها في هذه الميادين ما تحقق سير السائرين إذ لا يتحقق السائر من القاعد إلا بمخالفة الهوي وخرق العوائد فمن خرق عوائد نفسه حتى استوى عنده العو والذل والفقر والغنى وغير ذلك من مكروهات النفوس فقد تحقق سيره ووصوله ومن لم يقدر على تغيير شعرة من نفسه فلا سير له ولا وصول قال أبو عثمان الحيري لا يكمل الرجل حتى يستوي قلبه في أربعة أشياء في المنع والعطاء والعز والذل يعني أنه يكون عنده الذل كالعز والمنع كالعطاء لا ينقص منها وقال محمد بن خفيف رضي الله عنه قدم علينا بعض أصحابنا فاعتل وكان به علة البطن فكنت أخدمه وآخذ منه الطست طول الليل قال فغفوت مرة فقال لي نمت لعنك الله فقيل له كيف وجدت نفسك عند قوله لعنك الله قال كقوله رحمك الله وحكي عن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أنه قال ما سررت في الإسلام إلا ثلاث مرات معدودات كنت في مركب يوماً وكان به رجل يحكي الحكايات فيضحك منه الناس وكان يقول رأيت وقتاً في معركة الترك علاً ويقول هكذا وكان يأخذ بلحيتي ويمد يده على حلقي والناس يضحكون منه ولم يكن في ذلك المركب عنده أحد أصغر مني ولا أحقر فسررت بذلك ويوماً آخر كنت جالساً فجاء إنسان فصافعني ويوماً آخر كنت جالساً فجاء إنسان وبال على وقال بعضهم حقيقة زوال الهوى من القلب حب لقاء الله في كل نفس من غير اختيار حالة يكون عليها فإذا وجد المريد هذه العلامات في نفسه فقد خرج من عالم جنسه ووصل إلى حضرة قدسه وكان كما قال الشاعر
لك الدهر طوعاً والأنام عبيد ... فعش كل يوم من أيامك عيد
وكما قال سيدي أبو العباس بن العريف رضي الله عنه في هذا المعنى