قلت فإذا دخل الفقير الخلوة فينبغي أن يستعمل معها العزلة وهي عزلة القلب فالخلوة للأشباح والعزلة للقولب فلا بد فيها من التفرغ الكلي والألم ينتفع بها وفي الحكم ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة فالمقصود من الخلوة هو دواء القلب ولا يشفى القلب إلا إذا تفرغ من الإخلاط الردية فإن القلب كالمعدة كلما كثر عليه الأخلاط مرض وهي الخواطر والشواغب فإذا تفرغ القلب نفعه الذكر وإلا فلا ثم لا يزال مستعملاً للذكر لهجابه حتى يصمت اللسام ويبقى الجنان ذاكراً وينبغي أن يستثيبت الجنان ما يذكره اللسان فإن ذكر اللسام بلا جنان قليل النهوض إلى حضرة العيان ثم لا يزال يذكر بلسانه ويستثبته بجنانه حتى يجري معناه في فؤاده ويتمكن نوره في قلبه ثم يجري ذلك في جميع أعضائه كما يجري الدم في سائر حسده وكما يجري الماء في الأغصان الرطبة فيكون البدن كله يتحرك بذكر الله ولقد سمعت شيخ شيخنا مولاى العربي رضي الله عنه يقول بقيت أربع سنين نذكر الأمس المفرد حتى كان البدن كله يتحرك بالذكر فكنت إذا وضعت يدي على فخذي لسكنه تحرك الفخذ الآخر وإذا وضعت يدي على الفخذ الآخر نحرك الفخذ الآخر اه فإذا صفت مرآت القلب وتجوهرت فعند ذلك يحاذيها لوائح الغيوب وهي أنوار المواجهة تقدمه لأنوار المشاهدة لأن المشاهدة تكون لوائح ثم طوالع ثم تشرق شمس العرفان فما لها غروب عن العيان فعند ذلك يكاشف بحقائق الأشياء فيدرك سر كل موجود ويعلم حقيقة كل معلوم وكل مجهول يعني ما كان مجهولاً صار عنده معلوماً وما كان معلوماً أردك سره وحكمته وهنا يطلع على سر المتشابهات وحقائق المشكلات فتتسع عليه دائرة العلوم وتخرق له مخازن الفهوم ويخرجم إلى فضاء الشهود وقال آخر
الحب ديني فلا أبغي به بدلا ... والحسن ملك مطاع جار أم عدلا
والنفس عزت ولكن فيك أبذلها ... والذل مرم ولكن في رضاك حلا
يا من عذابي عذب في محبته ... لا أشتكي منك لاصدا ولا مللا
وأن شئت قلت المحبة هي أخذ الرب بقلب العبد بحيث لا يلتفت إلى غيره أو أخذ جمال المحبوب بمحبة القلب حتى لا يجد مساغا للآلتفات لسوى المحبوب فمتى وقع الإلتفات نقص الحب على قدره قال بعض الناس لا مرأة أني أحبك فقالت وكيف وخلفك من هو خير مني فالتفت فقالت قبحك الله من محب تدعى المحبة وتلتفت للغير وكذلك العبد إذا ادعى محبة سيده ثم أحب شيئاً أو استحسن شيئاً من السوى أو اشتكى شيئاً أو خاف شيئاً سواء محبوبه فهو ناقص المحبة أو مدعيها ومن ادعى ما ليس فيخ فضحته شواهد الإمتحان ثم علل الشيخ كون المحبة على العوض مدخولة فقال فإن المحب من يبذل لك ليس المحب من تبذل لهقلت المحب في الشئ هو الذي يبذل نفسه فيه وفليه ويزهد في جنسه من أجله ولا يصح ذلك على التمام إلا في جانب الذي أسبغ عليك سوابغ الأنعام أنعم عليك أولا بالإيجاد وثانياً بالأمداد وأعطاك كل ما تريد وملكك الكون كله تتصرف فيه كما تريد قال تعالى وآتاكم من كل ما سألتموه وقال خلق لكم ما في الأرض جميعاً فهذا سبب محبة العوام وأما محبة الخواص فهي ناشئة عن شهود جماله وبهائه فغابوا في شهود جماله وتاهوا في حضرة بهائه وأنشدوا
يا ساقي القوم من شذاه القوم من شذاه ... الكل لما سقيت تاهوا
غابوا وبالسكر فيك طابوا ... وصرحوا بالهوي وفاهوا