تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن حصن أعماله بالإخلاص استحق القبول وكان من الخواص ومن خصن قلبه من الاغيار امتلأ بالعلوم والأنوار ونبعت منه المعارف والأسرار واعلم أن العلم المشترك هو الذي يدخله ثلاث علل أما رياء أو عجب أو طلب عوض أما الرياء فهو الشرك الأصغر وقدي تقدم الحديث من عمل عملاً أشكر فيه معي غيري تركته وشريكه وفي حديث مسلم ثلاثة أول من تسعر بهم جهنم يوم القيامة فذكر القاري لغير الله والشجاع الذي يقاتل لغير الله الغني الذي يتصدق لغير الله وأما العجب فهو رؤية النفس وإسناد العمل إليها ورؤية المزية لها على الناس قال تعالى فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى قيل معناه إذا عملت عملاً فلا تقل عملت ولا تظهر عند من يعظمك لأجل علمه بذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه وقال زيد بن أسلم معنى لا تزكوا أنفسكم لا تعتقدوا أنها بارة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من الذنوب العجب قال بعض السلف لأن أبيت نائماً وأصبح نادما أحب إلي من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً وقيل لعائشة رضي الله عنها متى يكون الرجل مسيئاً قالت إذا ظن أنه محسن قيل والمعجب أعمى عن آفات نفسه وعمله والعمل إذا لم ينفقد ضاع وإنما يتفقد عمله من غلب عليه خوف الله وخوف ذنوبه ولا يريد الثناء على نفسه وحمدها وتزكيتها وربما أعجب برأيه وعقله فيستنكف عن سؤال غيره ولا يسمع نصح ناصح لنظره من سواه بنظر الاستحقار نسئل الله السلامة والعافية وأما طلب العوض والجزاء فقد تقدم مرارا الزجر عنه وإنك إن طالبته بالجزاء طالبك بسر الإخلاص ويكي المريب وجدان السلامة فكل عمل فيه بعض هذه الآفات فإن الله لا يقبله قبول الخواص وأما القلب المشترك فهو الذي يدخله ثلاث أيضاً حب الدنيا أو حب الخصوصية أو النعم الأخروية وكلها قادحة ف يالأخلاص مخرجة عن درجة التوحيد الخاص وبالله التوفيق هذا آخر الباب الجاري والعشرين وحاصلها ذكر ميزان الأعمال والأخوال الصحيحة والسقيمة حاصل هذا الميزان كل ما يثقل على النفس فهو صحيح وكل ما يخف عليها فهو سقيم ومن جملة ما يثقل عليها القيام بالفرض الواجب دون النوافل فإنها تخف فيها فلما علم الحق سبحانه ذلك منها قيد الفرائض بأوقات معلومة كي لا يمنعها التسويف لأن جل النفوس يقل نهوضها عليها إلى حضرة القدوس وليس للحق سبحانه غرض فيما فرض وإنما ساقهم إلى جنته بسلاسل امتحانه فمن غلبته نفسه على النهوض إلى الطاعة وأسرته شهوته عن اللحوق بالسباق فلا يستغرب أن ينقذه الله منها فإن قدرة القادر كلمح البصر أو أقرب وربما تكون تلك الشهوة أو الغفلة في حقك نعمة وذلك لتعرف منه الله عليك حين ينقذك منها فإن كثيراً ممن أنعم الله عليهم لم يعرفوا قدرها فسلبوا منها فإذا أنعم عليك بإنقاذك من نفسك والحاقك بخواص جنسك فانغمست في النعم فلا تندهش عن شكرها فاقرارك بالمنعم قيام بشكرها فإذا رأيت من حبسته نفسه وتمكن داء الهوى من قلبه فالعم أن ذاك هو الداء العضال فلا يخرجه منه إلا خوف مزعج أو شوق مقلق فإذا أزعجه الخوف أو الشوق تفرغ قلبه وخلص عمله فيقبل الله عليه فإذا أقبل عليه ملأه بالأنوار فمنها ما يصل إلى سويداء قلبه ومنها ما يقف على ظاهر قلبه كما أبان ذلك بقوله في أول الباب الثاني والعشرين وقال رضي الله عنه أنوار أذن لها في الوصول وأنوار أذن لها في الدخول قلت أما الأنوار التي أذن لها في الوصول فهي أنوار الإيمان وهي لأهل الدليل والبرهان لأن قلوبهم لم تتفرغ من الأغيار ولم تمح منها صور الآثار فلما جاءت وجدت داخل القلب مملوءاً بصور الآثار فوقفت في ظاهر القلب وأما الأنوار التي أذن لها في الدخول فهي أنوار الإحسان من الشهود والعيان وذلك لأنهم لما فرغوا قلوبهم مما سوى ربهم دخلتها الأنوار فوجدت متسعاً فسكنت سويداء قلوبهم وعلامة النور الواصل والداخل أن صاحب النور الواصل للظاهر فقط تراه تارة مع الدنيا وتارة مع الآخرة تارة مع حظ نفسه وتارة في حق ربه تارة مع الغفلة وتارة مع اليقظة وصاحب النور الداخل لسويداء القلوب لا تراه إلا مع ربه لا يشغله عنه حظوظ الدنيا ولا حظوظ الآخرة غائباً عن نفسه حاضراً مع ربه قال بعض الحكماء أن الإيمان إذا كان في ظاهر القلب كان العبد محباً لآخرته ودنياه

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ٢٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ٢٠٧