تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمراد بالمواهب معارف وكشوفات وطمأنينة وحكم وعلوم وأسرار ترد على القلوب من خزائن الغيوب حال صفائها وتصفيتها من الغيرية واصفى ما يكون القلب حين تذهب النفس وذهاب النفس إنما يكون بترك حظوظها ولا يتحقق ذلك في الغالب إلا في حال الفاقة والفقر ولذلك كانوا يفرحون بالفقر ويحزنون بالفقر ويحزنزن من الغنى فتح على بعضهم بشيء من الدنيا فقال هذه عقوبة لم أدر ما سببها وقال الهروي الفقر صفة مهجور وهو ألذ ما يناله العارف لكونها تدخله على الله وتجلسه بين يديه وهم أعم المقامات حكماً لقطع العوائق والتجرد من العلائق واشتغال القلب بالله قيل الصادق لا يملك ولا يملك وقيل لسهل رضي الله عنه متى يستريح الفقير قال إذ لم ير في كل وقت غير ربه وقال الشبلي الفقير لا يستغني بشيء دون الله وقال السهروردي في عوارف المعارف الفقر أساس التصويف وبه قوامه ويلزم من وجود التصرف وجود التصرف وجود الفقر لأن التصرف اسم جامع لمعاني الفقر والزهد مع زيادة أحوال لا بد منها للصوفي وإن كان فقيراً زاهداً وقال بعضهم نهاية الفقر بداية التصرف لأن التصرف اسم جامع لكل خلق سني والخروج عن كل خلق دنى لكنهم اتفقوا أن لا دخول على الله إلا من باب الفقر ومن لم يتحقق بالفقر لم يتحقق بشيء مما أشار إليه القوم والتحقق بالفقر هو الاستئناس به والاعتباط بحصوله والاستقرار معه حتى يكون عنده أحلى من العسل ويكون المال عنده أمر من الحنظل فحينئذ تترادف عليه المواهب وتتسع له المعارف حتى يكون أغنى الأغنياء قال بعض الصالحين كان لي بعض مال فرأيت فقيراً في الحرم جالساً منذ أيام ولا يأكل ولا يشرب وعليه أطمار رئة فقلت أغنيه بهذا المال فألقيته في حجره وقلت استعن بهذا على دنياك فنفض بها في الحصباء وقال لي اشتريت هذه الجلسة مع ربي بما ملكت وأنت تفسدها على ثم انصرف وتركني ألقطها فو الله ما رأيت أعز منه لما بددها ولا أذل مني لما كنت التقطها وهذا هو تصحيح الفقر والفاقة ظاهراً وباطناً وكان بعضهم إذا أصبح عنده شيء أصبح حزيناً وإذا لم يصبح عنده شئ أصبح فرحاً مسروراً فقيل له إنما الناس بعكس هذا فقال إني إذا لم يصبح عندي شيء فلى برسول الله أسوة حسنة وإذا أصبح عندي شيء لم يكن لي برسول الله أسوة حسنة قلت وهذه حالة أشياخنا رضي الله عنهم حسيما استقريناه من حالهم وقد بلغني أن شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه كان يشتغل الفتيلة وينظر في نواحي البيت إذا وجد شيئاً أخرجه يتصدق به ويبيت على الفاقة هكذا كان حاله في حال تجريده رضي الله عنه هذا واستشهد المؤلف رضي الله عنه بالآية الكريمة إنما الصدقات للفقراء والمساكين إشارة إلى أن ما يهبه الله تعالى من المواهب والمعارف إنما هي صدقة ومنه لجزاء على الأعمال والأحوال لأن الصدقة لا تكون في مقابلة عمل وإن الله لغني عن العالمين ثم التحقق بالفقر مجموعة التحقق بأوصاف العبودية وهي الذل والعجز والضعف كما بين ذلك بقوله تحقق بأوصافك يمدك يقابلها من أوصاف الربوبية أربعة أولها من العبد الفقر ومن الله الغني الثاني من العبد الذل ومن الله العز الثالث من العبد العجز ومن الله القدرة الرابع من العبد الضعف ومن الله القوة والتحقق بالوصف هو التحلي والاتصاف به قلباً وقالباً ويكون ذلك بادياً بين خلقه فلا يتحقق الذل لله حتى يظهر ذلك بين عباده فمن أراد أن يمده الله بالغنى به عما سواه فليتحقق بالفقر مما سواه كما قال الشيخ أبو الحسن في حربه الكبير نسئلك الفقر مما سواك والغنى بك حتى لا نشهد إلا إياك ومن أراد أن يمده الله بالعز الذي لا يفنى فليتحققي بالذل لله والتواضع بين خلقه فمن تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره ومن أراد أن يمده الله بالقدرة الخارقة للعوائد فليتحقق بعجزه ويتبرأ من حوله وقوته ومن أراد أن يمده الله بالقوة على طاعة مولاه ومجاهدة نفسه وهواه فليتحقق بضعفه ويسند أمره إلى سيده فبقدر ما تعطى تأخذو بقدر نا تتخلق تتحقق وبقدر ما تتحقق بوصفك يمدك بوصفه وقد كنت قلت في ذلك أبياتاً وهي هذه

تحقق بوصف الفقر في كل لحظة ... فما أسرع الغنى إذا صحح الفقر

وإن تردن بسط المواهب عاجلاً ... ففي الفاقة ريح المواهب ينشر

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ١٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ١٨٥