تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا أردت أن ينفتح لك باب الحزن والخوف فاشهد ما منك إليه من الاساءة والتقصير في العبادة أو من موافقة الشهوة والاسترسال مع الغفلة فإنك أن شهدت ذلك دام حزنك وقوي خوفك وربما كان سبباً في سوء ظنك بربك فتزل قدم بعد ثبوتها وفي الحديث لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم وهو الغفور الرحيم فدل الحديث على أن شهود الكرم أفضل عند الله من شهود الانتقام وخصلتان ليس فوقهما شئ من الخير حسن الظن بالله وحسن الظن بعباد الله وخصلتان ليس فوقهما شئ من الشر سوء الظن بالله وسوء الظن بعباد الله كما في الديث وبقيت مرتبة ثالثة وهي الغيبة عن الرجاء والخفو بشهود ما من الله إلى الله وهو مقام أهل الشهود فلذلك اعتال أمرهم في جميع الأحوال نفعنا الله بذكرهم آمين ثم أن ثمرة الرجاء ونتيجته البسط وثمرة الخوف ونتيجته القبض فلذلك ذكره بعدهما فقال ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط لا تدرون أيهم اقرب لكم نفعاً قلت القبض والبسط حالتان يتعاقبان على الإنسان كتعاقب الليل والنهار فالليل محل السكون والقرار والنهار محل التحرك والانتشار القبض لاحظ فيه للنفس والبسط تأخذ النفس حظها منه وما لاحظ فيه للنفس أقرب للسلامة وأعظم للإفادة فالقبض كالليل والليل محل المناجاة والمصافاة وملاقاة الأحباب ورفع الحجاب فربما أفادك في ليل القبض م انخناس النفس وذهاب الحس وموالاة الأنس ما لا تستفيده في نهار البسط من تحصيل العلوم وتحقيق الفنون ومجالسة الأخيار ومخالطة الأبرار فالقبض له فوائد والبسط له فوائد والعبد لا يدري أيهما أقرب له نفعاً فتعين الوقوف مع ما يواجهه من جهة الحق فيتلقاه بالقبول والأدب وقد تقدم آداب كل واحد منهما عند قوله بسطك كي لا يتركك مع القبض الخ فلا تطلب البسط أن واجهك بالقبض ولا تطلب القبض أن واجهك بالبسط فقد تستفيد من أحدهما مالا تستفيده من الآخر فلا تدري أيهما أنفع ولا أيهما أضر ولذلك استدل بالآية التي نزلت في ميراث الأب من الابن فالبسط كالأب لأنه ناشيء من شهود ما منه إليك وهو فعل الحقي الذي صدر مه كل موجود وهو الأصل والقبض كالابن لأنه ناشئ من شهود ما منك إليه وهو الفرع إذ الفعل كله من القدرة وأما الحكمة فإنما هي تغطية وإذا كان العبد جاهلاً بمنتفعتهما كجهله بالأنفع من الآباء والأبناء تعين متابعة الحق باتباع مراده وانتهاجه حاله من غير تحول ولا انتقال ولا تشوف إلى غير ما هو فيه من ذلك الحال بذلك يتنور قلبه ويتطهر سره ولبه فتكشف عنه الحجب والاستار ويتهيأ لحمل الأنوار والأسرار كما أبان ذلك بقوله مطالع الأنوار القلوب والأسرار قلت المطالع جمع مطلع وهو محل طلوع الشمس وغيرها والنوار هنا الواردات والكشوفات التي تكشف الحجب وترفع رداء الصون عن مظاهر الكون وقد تقدم أن النفس والعقل والقلب والروح والسر عند كثير من الصوفية شئ واحد وما هي إلا الروح تتطور بحسب التصفية والترقية فما دامت مشغولة بحظوظها وشهواتها فهي نفس ونورها مكسوف فإذا انزجرت وعقلت بعقال الشرع إلا أنها تميل إلى المعاصي والذنوب فتارة تعصى وتتوب وتارة تحن وتؤوب سميت عقلاً ونروها قليل لأنها محبوسة في سجن الأكوان معقولة بالدليل والبرهان فإذا سكنت عن المعاصي إلا انها تنقلب بين الغفلة واليقظة وبين الاهتمام بالطاعة والمعصية سميت قلباً وهو أول مطالع الأنوار فتشرق عليه أنوار التوجه فلا تزال تترادف عليه الواردات وهي أنوار التوجه

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ١٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ١٦٥