تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأباح لك أيها الإنسان أن تنظر ماذا في السموات والأرض من النور الذي قامت به الأشياء وما أباح لك أن تقف مع ذوات المكونات تقف مع القشر وتحجب عن اللب وقد تقدم قوله الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة فمن وقف مع ظاهرها كان محجوباً ومن نفذ إلى باطنها كان عارفاً محبوباً ولأجل هذا السر قال تعالى " قل انظروا ماذا في السموات " أي ما فيها من عظمته ومعاني أسرار ذاته وكمال قدرته وإرادته وسائر صفاته فقد فتح لك باب الإفهام جمع فهم أي قتح لك باب الفهم لتدخل بها من ظاهر القشر إلى باطن اللب حتى تعرفه في كل شئ وتفهم عنه في كل شئ ولو قال الحق تعالى " قال انظروا السموات " لدلك على الإجرام وسد لك باب الإفهام وكيف يدلك على الإجرام وهي أغيار والأغيار مانعة من الدخول إلى شهود الأنوار ومثال ذلك في التقريب لو قال لك قائل انظر هذه الثلجة لدلك على ظاهر جرمها ولو قال لك انظر ما في هذه الثلجة لفتح لك باب الفهم إلى نظر ما في باطنها من الماء ون الوقوف مع ظاهر جرمها واعلم أن الحق سبحانه ندب عباده إلي معرفة ذاته ودرجهم إليها شيئاً فشيئاً فمنهم من قصر ومنهم من وصل فدرجهم أولاً إلى توحيد الأفعال وأنه لا فاعل سواه فقال تعالى " وربك يخلق ما يشاء ويختار أن ربك فعال لما يريد والله خلقكم وما تعلمون ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد " وقال في فعل غير الآدمي " ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها " وفي شأن الطير " ما يمسكهن إلا الرحمن " وقال تعالى " وما من دابة في الأرض ولا ظائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم " أي في قهر قبضتنا مقدرة آجالها مقسومة أرزاقها مغدودة أنفاسها محفوظة أجسامها معلومة أماكنها ظاهرة أشباحها باطنة أنوارها وقال في توحيد الصفات وأنه لا سميع ولا بصير ولا قدير ولا متكلم إلا الله أنه هو السميع البصير أي دونت غيره فلا سمع ولا بصر إلا به سبحانه وقال تعالى أنه هو الحكيم العليم وقال تعالى وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إلى غير ذلك من الآيات وقال تعالى في توحيد الذات وهو الله في السوات وفي الأرض الله نور السموات والأرض على تفسير أهل الإشارة وهم أهل الباطن وقال فأينما تولوا قسم وجه الله وإذ قلنا لك أن ربك أحاط بالناس أن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله وقال في محو الواسطة فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض أي بالحرث شقاً ويحتل أن تكون منها أو من توحيد الأفعال وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ولكن الله ألف بينهم وقد يجمع الحق تعالى في آية واحدة توحيد الصفات ويرقى إلى توحيد الذات كقوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ثم رقاهم إلى الشهود بقوله أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد إلا أنهم في مرية من لقاء ربهم إلا أنه بكل شيء محيط وقال تعالى أن الذين يخشون ربهم بالغيب لم مغفرة وأجر كبير ثم رقاهم من الغيب إلى الشهادة بقوله وأسروا قولكم أو أجهروا به أنه عليم بذات الصدور ألا يعمل من خلق وهو اللطيف الخبير فتحصل أن الأشياء كلها قائمة بالله أثبتها ليعرف بها ثم محاها بوحدانيته كما أشار إلى ذلك بقوله الأكوان ثابتة بإثباته ممحوة بأحدية ذاته قلت الأكوان هي ما ظهر في عالم الشهادة أو تقول ما دخل عالم التكوين وهي موجودة بوجود الحق قائمة به ثابتة بإثباته ليعرف بها ممحوة باحدية ذاته لانفراد وجوده فمن أثبتها لنفسها فقد جهله فيها وحجب بها عن شهود موجدها ومن أثبتها بالله فقد عرف فيها وشهد فيها مولاها فالثبوت للأكوان أمر عرضي والحق اللازم هو وجود أحدية الحق تعالى والأحدية مبالغة في الوحدة ولا تتحقق إلا إذا كانت الوحدة بحيث لا يتمكن أن يكون أشد وأكمل منها فمن مقتضى حقيقتها محو الأكوان وبطلانها بحيث لا توجد إذ لو وجدت لم تكن أحدية ولكان في ذلك متعدداً وأثنينية كما قيل

أرب وعبد ونفى ضد ... قلت له ليس ذاك عندي

فقال ما عندكم فقلنا ... وجود فقد وفقد وجد

توحيد حق بترك حق ... وليس حق سواى وحد

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ١٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ١٥٧