تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي قامت الأشياء كلها بالذات العلية أي بأسرارها اللطيفة الأزلية وقولهم أيضاً الذات عين الصفات والصفات عين الذات فاعلم أنه لما كان لا ظهور للذات إلا من أنوار الصفات ولا قيام للصفات إلا بالذات والصفات لا تفارق الموصوف صار كان هذا عين هذا فنطقوا بتلك العبارة تحويشاً للجمع وفراراً من الفرق وهو اصطلاح منهم سموا ما تكثف وظهر للحس صفات وما بطن من سر الربوبية ذاتاً ومعني والصفات لا تفارق الموصوف كما تقول في الثلجة ظاهرها ثلج وباطنها ماء فالثلج صفات والماء ذات الثلج حس والماء معنى للطافته وخفائه صار كأن معنى قال بن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه قال في كل شئ اسن من أسمائه واسم كل شئ من اسمه فإنما أنت بين أسمائه وصفاته وأفعاله باطناً بقدرته ظارهاً بحكمته ظهر بصفاته وبطن بذاته حجب الذات بالصفات وحجبت الصفات بالأفعال وكشف العلم بالإرادة وأظهر الإرادة بالحركات وأخفى الصنع في الصنعة وأظهر الصنعة بالذوات فهو باطن في غيبة وكظاهر بحكمته وقدرته ليس كمثله شئ وهو السميع البصير اه نقله شارح بداية السلوك هكذا عن ابن عباس رضي الله عنه فقوله حجب الذات بالصفات أي حجب أسرار الذات بأنوار الصفات وهي أثرها وقوله وحجب الصفات بالأفعال لأن الأفعال ظروف للصفات لأنها أثر من آثارها ومظهرة لها وقوله وكشف العلم بالإرادة أي أظهر ما سبق في علمه بإرادته المخصصة لوقت إظهاره وقوله وأظهر الإرادة بالحركات أي أظهر ما سبق من إرادته بظهور الحركات الدالة على ما أراد وقوله وأخفي الصنع في الصنعة أي أخفى الصانع في صنعته وقوله وأظهر الصنعة بالذوات أي أظهر قدرته في الإجرام وسائر الذات والله تعالى أعلم وقوله شيخ شيوخنا سيدي على رضي الله عنه في كتابه في تفسير الذات والصفات أن كل ما هو جلال فهو ذات وكل ما هو جمال فهو صفات فإنما ذلك على وجه التشبيه فإن تجلى الصفات كله جمال لأنه محل نزهة أرواح العارفين وبه يرتقى أهل الدليل إلى معرفة رب العالمين وهو الذي شبهه الشيخ ابن مشيش بالرياض في قوله فرياض الملكوت الخ وأيضاً هو الذي تمكن رؤيته وتحصل المعرفة به بخلاف تجلى الذات فإنه حلال محض إذ لو ظهر ذرة من نوره الأصلي للا واسطة لاحتراق الكون من أصله وفي الحديث حجابه النار وفي رواية النور لو كشف عنها لا حرقت سبحات وجهه كل شئ أدركه بصره فصار تجلى الذات كله جلال فأطلق وجهه التشبيه انك لما يشق على النفس فهو ذات لأنه جلال كتجلى الذات وكي لما يخف على النفس فهو صفات لأنه جمال كتجلي الصفات والله تعالى أعلم وإنما أطلت الكلام في هذه المسئلة لأني لم أر من تكلم عليها ولا من شفي فيها الغليل وكنت كثير البحث عنها فلم أجد من يشفعني فيها وهذا ما ظهر لي فيها وما أنتجبته فكرتي والله تعالى أعلم وبالله التوفيق صم استدل على ظهوره في المكونات بقوله تعالى هو الأول والآخر والظاهر الباطن فشار إلى تفسير الظاهر والباطن بقوله أظهر كل شئ أبانه الباطن وطوى وجود كل شئ أبانه الظاهر قلت مضمنه أن اسمه تعالى الباطن ليتحقق بطونه بها وطوى وجود كل شئ بسبب أنه الظاهر ليتحقق انفراده بالظهور فيها والحاصل أن الحصر في قوله تعالى هو الظاهر يدل على أنه لا ظاهر معه فانطوي وجود الأشياء واضمحل لها وقوله هو الباطن يدل على أنه لا باطن سواه فبطنت الأشياء كلها بعد ظهورها فدل كلامه سبحانه أن ما ظهر به هو الذي بطن فيه والذي بطن به هو الذي ظهر فيه والألم لم يصح الحصر فإن قلت المتقابلان لا يجتمعان كالضدين وكيف جمعتهما في ذات واحدة قلت لم يتواردا على محل واحد بل ذلك باعتبارين فاسمه الظاهر باعتبار الحس في عالم الحكمة واسمه الباطن باعتبار المعني في عالم القدرة فالحكمة ظاهرة والقدرة باطنة أو تقول ظاهر باعتبار مظاهر الربوبية باطن باعتبار قوالب العبودية أو تقول ظاهر باعتبار التعريف باطن باعتبار التكييف فالذات واحدة والاعتبارات مختلفة وذلك كثير فتحصل أن الحق سبحانه ظاهر في بطونه باطن في ظهوره ما ظهر به هو الذي بطن فيه وما بطن به هو الذي ظهر فيه أي ما ظهر فيه بحكمته هو الذي بطن فيه بقدرته وما بطن فيد بقدرته هو الذي ظهر فيه بحكمته هو الذي قصده الشاعر بقوله

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ١٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ١٥٥