تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالأواني كلها لطيفة في الحقيقية تابعة للطف المعاني لأنها منها وإنما تكثف في حق أهل الحجاب الذين وقفوا مع ظواهر الأشياء واشتغلوا بخدمة الحس قلباً وقالباً فعظم عليهم الحس وقويت دائرة حسهم وغلظ الحجاب في حقهم فعبادتهم حسية وفكرتهم حسية وذلك لصحبتهم أهل الحس ولو صحبوا أهل المعاني لاشتغلوا بخدمة المعاني حتى تتلطف لهم الأواني قال شيخ شوخنا سيدي على الجمل رضي الله عنه سألت الشيخ يعني سيدي العربي ابن عبد الله فقلت يا سيدي كنت أظن أنه لا يشفن غليل الإنسان إلا الحس يعني العبادة الحسية ولا ظننت قط أن فعل المعاني يشفي الغليل أبداً والآن وجدت نفسي بالعكس لا يشفي غليلها إلا المعاني فأجابني بأن قال يا ولدي لما كانت همتك مشورة للحسيات أمدك الله فيها فصرت لا تقنع إلا بالحسيات والآن انعكس الأمر لما رافقت أهل المعاني أثرت معرفتهم فيك بتشوير همتك لبلاد المعاني ولما انقلبت همتك عن بلاد الحس وشورت لبلاد المعاني أمدك الله فيها فصت تقطع بالمعاني كما كنت تقطع بالحسيات اه مختصراً فكل من صحب أهل المعاني وانقلبت همته لبلاد المعاني حتى صارت بعادته باطنية معنوية تلطفت في حقه الأواني ولم ير إلا المعاني قلت ومما من الله على بصحبه أهل المعاني إني إذا نظرت إلى الكون بعين بصيرتي من عرشه إلى فرشه ذاب وتلاشى ولم يبق له أثر والله ذو الفضل العظيم تنبيه سئل سيدي أحمد بن يوسف الملياني عن ذات الحق تعالى هل معنوية أو حسية فقال هي حسية لا تدرك قال سيدي عبد الله الهبطي وهذا مما يدل على تحقيق معرفته قلت ذات الحق تعالى موجودة لطيفة لا تدركها الأبصار ولا تكيفها العقول متصفة بصفات المعاني والمعنوية ولو كانت صفة أو معنى كما يزعمه النصارى لم تتصف بصفات المعاني ولا المعنوية لأن الصفة والمعنى لا يقوم بنفسه ولا بد ا، يقوم بغيره والصفة لا تتصف بصفة أخرى وأما قول بعض المتأخرين المعنى لا يقبض إلا بالحس وقولهم أيضاً لا تنظر إلى الأواني وخض بحر المعاني وقولهم الأكوان أواني حالمة للمعاني فاعلم انه قد تقدم أنهم يطلقونهم على أسرار الذات وهي الخمرة الأزلية معاني لخفائها ولطافتها فأشبهت المعاني من هذا الوجه فتحصل أن الحس لا قيام له إلا بالمعنى وهي معاني أسرار الذات فصار قيام الأشياء كلها بالله ولا وجود لها معه وهو الذي أشار إليه بن الفارض بقوله

وقامت بها الأشياء ثم لحكمه ... بها احتجبت عن ك لمن لا له فهم

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ١٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ١٥٤