فبحر الجبروت فياض إلى عالم المكوت ثم احتجب بالحكمة فصار ظاهره ظلمة وبانه نوراً ظاهره حكمة وباطنه قدرة ظاهره ملك وباطنه ملكوت والجميع جبروت فإذا تقرر هذا علمت أن الأكوان لا وجود لها من ذاتها فلولا ظهور الحق بها ما ظهرت ولا وقع عليها أبصار الخلق كما قال القائل
من لا وجود لذاته من ذاته ... فوجوده لولاه عين محال
وقال آخر
فلم يبق إلا الحق لم يبق كائن ... فما ثم موصول وما ثم بائن
بذا جاء برهان العيان فما رأى ... بعيني شيئاً غيره إذ أعاين
وظهور تعالى بواسطة تجليات الأكوان فيه لطف كبير إذ لا يمكن شهوده ومعرفته إلا بواسطة هذه التجليات ولو ظهر بالأوصاف التي كان عليها في الأزل بلا واسطة لتلاشت الكائنات واضمحلت وفي الحديث حجابه النور لو كشف عنه لا حرقت سبحات وجهه كل شئ أدركه بصره اه وهذا معنى قوله لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته أي لو ظهرت نعوته الأصلية الأزلية لا ضمحلت المكونات الحديثة إذ الكائنات كلها تكثيف للأسرار اللطيفة التي هي نعت الخمرة الأزلية التي أشار إليها ابن الفارض في خمر يته بقوله
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
تقدم كل الكائنات حديثها ... قديم ولا شكل هناك ولا رسم
فلو ظهرت الأسرار اللطيفة لتلاشت الكائنات الكثيفة إذ لا ظهور للكثيف إذا رجع لطيفاً وما مثال الكون إلا كالثلجة ظاهرها جامد وباطنها مائع فإذا ذوبت الصلجة رجعت إلى أصلها ماء ولميبق للثلجة أثر فكذلك المكونات الحسية إذا ظهرت أسرارها اللطيفة التي قامت بها ذابت ذواتها الكثيفة ولا تلاشت ورجعت لأصلها وإلى هذا المعنى أشار صاحب العينية بقوله
وما الكون في التمثال إلا كثلجة ... وأنت لها لا ماء الذي هو نابع
فما الثلج في تحقيقنا غير مائة ... وغير أ، في حكم دعته الشرائع
ولكن بذوب الماء يرفع حكمه ... ويوضع حكم الماء والأمر واقع
فمن وقف مع ظاهر الثلجة أنكر الماء الذي في باطنها وكان جاهلاً بحقيقتها ومن نفذ إلى باطنها عرف أصلها وفرعها وكذلك الأكوان ظاهرها غرة لمن وقف مع كثافتها وباطنها عبرة لمن نفذ إلى أصلها وقد مثلوا أيضاً الكون بصورة جبريل حين كان يتصور في صورة دحية فمن رآه كثيفاً قال دحية وأنكر أن يكون ملكاً ومن عرف أصله لم ينكره ولم يقف مع ظاهره فإذا تلطف ورجع إلى أصله ذهبت تلك الصورة واضمحلت فكذلك الكون إنما هو خيال فما دام موجوداً في الحس رأى وظهر فإذا رجع إلى أصله بظهور أسراره التي قام بها اضمحل ولم يبق له أثر وقد أشار إلى هذا صاحب العينية أيضاً بقوله
تجليت بالتحقيق في كل صورة ... ففي كل شئ من جمالي لوامع
فما الكون في التمثال إلا كدحية ... تصور روحي فيه شكل مخادع
ويسمون هذه الأسرار التي قامت بها الأكوان معاني ويسمون الأكوان أواني حاملة للمعاني فلو ظهرت المعاني لا ضمحلت الأواني ومن وقف مع حس الأواني حجب عن أسرار المعاني وفي ذلك بقول الششترى رضي الله عنه
لا تنظر إلى الأواني ... وخض بحر لا معاني
لعلك ... تراني
وقال ابن الفارض رضي الله عنه
ولطف الأواني في الحقيقة تابع ... للطف المعاني والمعاني بها تسموا