فلو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة والآتية حاضرة ليك أقرب إليك من أن ترحل إليها إذ هي الراحلة إليك والمدركة ل ولرأيت محاسن الدنيا الوهمية الفاني قد ظهرت كسفه الفناء عليها أي قد انكسف نور وجودها بظهور ظلمة فنائها فصار ما كان ظاهراً باطناً صار ظاهراً وما كان كثيفاً صار لطيفاً وما كان لطيفاً صار كثيفاً وما كان صار شهادة وما كان شهادة صار غيباً وإنما بعد ذلك عن الخلق ضعف إيمانهم وقلة نور إيقانهم ولو أشرق نور اليقين في قلوبهم أو الدنيا مكسوفة أنوارها بادية عوارها كما رآها حارثة رضي الله عنه حين أخبر عن حقيقة إيمانه فقد روى عن أنس رضي الله عنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشي إذا استقبله شاب من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت يا حارثة قال أصبحت مؤمناً بالله حقاً فقال له انظر ما تقول فإن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك فقال يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا أي أدبرت وهربت فأسهرت ليلى وأظمأت نهاري فكاني بعرش ربي بارزاً وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاون فيها فقال له أبصرت فالزم عبد نور الله الإيمان في قلبه قال رسول ادع الله لي بالشهادة فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل يوم بدر شهيداً فجاءت أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله قد علمت منزلة حارثة منى فإن يكن في الجنة أصبر وأن لم يكن في الجنة ترى ما أصنع فقال أوهبلت أجنة هي أنها جنان وأن ابنك أصاب الفردوس الأعلى فرجعت وفي تضحك وتقول بخ بخ يا حارثة اه كما رآها معاذ بن جبل رضي الله عنه حين دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له كيف أصبحت يا معاذ قال أصبحت مؤمناً فقال أن لكل قول مصداقاً ولكل حق حقيقة فما مصداق ما تقول فقال يا رسول الله ما أصبحت صباحاً قط إلا ظننت لا أمسي وما أمسيت قط إلا ظننت لا أصبح ولا خطوت خطوة قط إلا ظننت أني لا أتبعها بأخرى وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها معها نبيها وأوثانها التي كانت تعيد من دون الله وكأني أنظر إلى عقوبة أهل النار وثواب أهل الجنة فقال صلى الله عليه وسلم عرفت فالزم فهذان الرجلان الأنضاريان أشرق نور الإيقان في قلوبهما وشرح الله به صدورهما فرأوا ما كان آجلاً عاجلاً وما كان آتياً واصلاً وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح قيل يا رسول الله هل لذلك من علامة يعرف بها قال نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله أو كما قال عليه السلام وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي رحمه الله اليقين نور يجعله الله في قلب العبد حتى يشاهد به أمور آخرته ويخرق به كل حجاب بينه وبينها حتى يطالع الآخرة كالمشاهدة لها اه قلت فإذا تكامل إشراق الإيقان غطى وجود الأكوان ووقع العيان على فقد الأعيان ولم يبق الأنوار الملك الديان كما أشار إلى ذلك بقوله ما حجبك عن الله وجوده وجود معه إذ لا شئ معه ولكن حجبك عنه توهم موجود معه قلت الحق تعالى ظاهر ونوره للبصائر باهر إنما حجبه مقتضى اسمه الحكيم واسمه القاهر فما حجبك عن شهود الحق وجود شئ معه إله مع الله تعالى الله عما يشركون ولكن حجبك عن شهودة توهم وجود موجود معه لا شئ معه وكما كان ولا شيء بقى ولا شئ هو الأول والآخر والظاهر والباطن واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله فالفعل لا يصدر من غير صفة والصفة لا تفارق الموصوف فالفعل متحد والفاعل واحد والصفة متحدة والمتصف بها واحد وللششتري رضي الله عنه، صفاتي لا تخفي لمن نظر وذاتي معلومة تلك الصور، فافن عن الاحساس ترى عبر، وسبب توهم الغيرية عدم الفكرة وسبب عدم الفكرة حب العاجلة فهي الشاغلة للقلوب عن السير إلى حضرة علام الغيوب وحكمة حب الدنيا ظهور القهرية فمن قهاريته تعالى أن احتجب بلا حجاب وغطي نور شمسه بالأسحار وأيضاً قوالب العبودية حجبت مظاهر أنوار الربوبية ووجود الحكمة ستر ظهور القدرة وقال بعض العارفين الحق تعالى منزه عن الأين والجهة والكيف والمادة والصورة ومع ذلك لا يخلو منه أين ولا مكان ولا كم ولا كيف ولا جسم ولا جوهر ولا عرض لأنه للطفه سار في كل شئ ولنوريته ظاهر في كل شيء ولا طلاقه واحاطته متكيف
إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ١٥١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ١٥١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي