وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه لا يصل الولي إلى الله تعالى ومعه شهوة من شهواته أو تدبير من تدبيراته وأختيار من أختياراته اه وهذه التصفية ليست هي من فعل العبد وكسبه وإنما هي بسابق عناية ربه فلو كان العبد لا يصل إلى الله تعالى إلا بعد فناء مساويه ومحو دعاويه من حيث هو هو لم يصل أبداً لكن الحق تعالى من كرمه وجوده إذا أراد أن يطوي عنه مسافة البعد أظهر له من أنوار قدسه ونعوت وصفه ما يغيب به العبد عن شهود نفسه فحينئذ تفني المساوي وتمتحق الدعاوي فيحصل الوصول ويبلغ المأمول بما من الله إلى العبد من سابق العناية والوداد لا بما من العبد إلى الله من الكد والأجتهاد وأن شئت قلت فناء المساوي هو التطهير من أوصاف البشرية وهي الأخلاق المذمومة من حيث هي ومحو الدعاوى وهو التبري من الحول والقوة بحيث لا يرى لنفسه فعلاً ولا تركا ولا نقصاً ولا كمالاً وإنما هي غرض لسهام الأقدار تجري عليها أحكام الواحد القهار فتحقيق هذين الأمرين على الكمال مع وجود النفس كاد أن يكون من المحال لكن الحق تعالى لكرمه وجوده إذا رأى منك صدق الطلب وأراد أن يوصلك إليه وصلك إلى ولي من أوليائه وأطلعك على خصوصيته وأصفائه فلزمت الأدب معه فما زال يسير بك حتى قال لك ها أنت وربك فحينئذ يستر الحق تعالى وصفك الذي هو وصف العبودية بوصفه الذي هو وصف الحرية فتتحنس أوصاف البشرية بظهور أوصاف الروحانية ويعطي أيضاً نعتك الذي هو الحدوث بنعته الذي هو القدم أو غطي نعتك الذي هو العدم بنعته الذي هو الوجود وقال الشيخ زروق ستر فقرك بغناه وذلك بعزه وعجزك بقدرته وضعفك بقوته ويصرفك عن شهود ذلك منك وإليك بشهود ما منه إليه اه قلت وهو لازم لما فسر به من وصف العبودية ونعت الحرية فوصلك حينئذ بما منه عليك من الأحسان واللطف والأمتنان لا بما منك إليه من المجاهدة والطاعة والأذعان ومثال النفس كالفحمة كلما غسلتها بالصابون زاد سوادها فإذا أشتعلت فيها النار ونفخ فيها الريح كستها النار ولم يبق للون الفحمة أثر فكذلك أوصاف البشرية إذا كساها نور الروحانية تغطت ظلمة البشرية ولم يبق لها أثر فتنقلب البشرية في صفة روحانية وفي ذلك يقول الششتري في بعض أزجاله
فمتى ما يبين لي ... زالت البشريا
وتحولت غيري ... في صفا روحانيا
والنار التي تحرق البشرية هي مخالفة الهوي وتحمل النفس ما يثقل عليها كالذل والفقر ونحوهما مع دوام ذكر الأسم المفرد فكلما فنى فيه ذابت بشريته وقويت روحانيته حتى تستولي على بشريته فحينئذ يكون الحكم لها فتغيب في نور مذكورها وتغرق في شهود عظمة محبوبها فحينئذ يحصل الوصال ويتحقق الفناء في ذي العظمة والجلال وللششتري أيضاً رضي الله عنه، فألتفت الخطاب، وسمعت مني، كلي عن كلي غاب، وأنا عني مغني، وأرتفع لي الحجاب، وشهدت أني، ما بقي لي أثر، غبت عن أثرى، لم أجد من حضر، في الحقيقة غيري، وبالله التوفيق هذا آخر الباب الثالث عشر وحاصلها أمرك بالتعلق بأوصاف الربوبية والتحقق بإوصاف العبودية وعدم مشاركتك له في وصف الحرية وما تعودت به من ذلك فأخرق لها تلك العوائد هنالك حتى تتهذب وتتأدب وتكتفي بعلم الحال عن وجود الطلب فيكون طلبها شاهد حالها من الذلة والأنكسار وظهور الفاقة والأضطرار فحينئذ تترادف عليها المواهب وتنال بذلك غاية المطالب ومنتهى الرغائب وهو الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس من غير حيلة ولا أكتساب وإنما هو منة من الكريم الوهاب من عليها بالوصول وتفضل عليها بالقبول كما أشار إلى ذلك في أول الباب الرابع عشر فقال وقال رضي الله عنه لولا جميل ستره لم يكن عمل أهلاً للقبول قلت لأن العمل الذي يكون أهلاً للقبول هو الذي تتوفر فيه شروط القبول وهو سر الأخلاص وغاية الحضور والتبري فيه من الحول والقوة وهذا في غاية الندور فلولا أن الله سبحانه تفضل علينا بجميل ستره فغطي مساوينا بجلائل لطفه وبره ما كان عمل أهلاً للقبول أصلاً ولكن الذي من بوجود الأعمال يمن بوجود القبول والأقبال