حقيقة التكرار المشترط في تحقق الإصرار يمكن أن يعرف من تقسيم بعض العلماء (كالزركشي) الإصرار إلى قسمين:
أحدهما: حكمي، وهو العزم على فعل الصغيرة بعد الفراغ منها، فهذا حكمه حكم من كررها فعلا، بخلاف التائب منها، فلو ذهل عن ذلك ولم يعزم على شيء فهذا هو الذي تكفره الأعمال الصالحة.
والثاني: الإصرار بالفعل، وعبر عنه بعضهم بالمداومة أو الإدمان، وعن بعض الشافعية قال: لا أجعل المقيم على الصغيرة المعفو عنها مرتكبا للكبيرة إلا أن يكون مقيما على المعصية المخالفة أمر الله دائما (1)، ونحوه في المغني لابن قدامة (2).
وحقيقة التكرار بالفعل الذي يكون به المكلف مصرا كما جاء في حواشي شرح المنار: "أن الإصرار تكرار الفعل تكررا يشعر بقلة المبالاة بأمر الدين"، وقال أمير بادشاه: "الإصرار أن تتكرر منه الصغيرة تكرارا يشعر بقلة مبالاته بأمر دينه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك" (3).
لكنهم اختلفوا في الصغيرة التي يكون الإصرار عليها كبيرة، هل هي ما كان الإصرار فيها على أنواع متعددة من الصغائر، أو أنه يستوي الإصرار على صغيرة واحدة مع الإصرار على صغائر من أنواع مختلفة، قال تقي الدين السبكي (4): " وأما الإصرار فقال ابن الرفعة: لم أظفر فيه بما يثلج الصدر وقد عبر عند بعضهم بالمداومة وحينئذ هل المعتبر المداومة على نوع واحد من الصغائر أم الإكثار من الصغائر سواء كانت من نوع أو أنواع قال الرافعي: منهم من يميل كلامه إلى الأول، ومنهم من يفهم كلامه الثاني، ويوافقه قول الجمهور: من تغلب معاصيه طاعته كان مردود الشهادة، قال: وإذا قلنا به تضر المداومة على نوع واحد من الصغائر إذا غلبت الطاعات، وعلى الأول تضر، قال ابن الرفعة: وقضية كلامه أن مداومة الوقوع تضر على الوجهين.
أما على الأول فظاهر.
(1) ـ "البحر المحيط"؛ للزركشي (6/ 150، 156)، باختصار.
(2) ـ المغني لابن قدامة 10/ 235 وذكر أن القاضي أبا يعلى ضبطه بالمداومة.
(3) ـ حواشي شرح المنار نقلا عن قمر الأقمار 2/ 636، وتيسير التحرير لأمير بادشاه 3/ 44، وتقرير التحبير لابن أمير حاج 2/ 242.
(4) ـ "الإبهاج" (2/ 216، 217)؛ لتقي الدين السبكي.