تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنّه الداعية المجاهد, والكاتب الأديب, والمربّي والخطيب طلعت فؤاد قاسم, الشهير بأبي طلال القاسمي. . كذلك كانت كنيته وبها كان يناديه إخوانه وتلامذته صغيرهم وكبيرهم, فيشرق وجهه بابتسامة وضيئة, مع كلمات من الإجابة والبشر. .

بدأ أبو طلال القاسمي حياته عاشقاً للأدب منذ صباه, وكانت له محاولات أدبيّة وإنتاج واعد في دراسته الثانويّة, حتّى التحق بكليّة الهندسة جامعة المنيا, وهناك - كما كان الحال في كلّ جامعات مصر في منتصف السبعينات- أخذت الصحوة الإسلامية تبعث ضياءها في جنبات البلاد طولاً وعرضاً, ومع أنّ الصحوة كانت لا تزال غضّة طريّة إلا أنّها بدت فتيّة صلبة العود منذ نشوئها.

فراح الشباب يتصدّى لمظاهر العصيان باللسان وباليد أيضاً إن لزم الأمر, يدفعه إلى ذلك إيمان خالطت بشاشته القلوب والتزامٌ صادف قلوباً على الفطرة, وعقولاً وجدت ضالّتها بعد حقبةٍ من التيه والحيرة, وبعدما أعلنت كلّ الأطروحات اليساريّة والعلمانيّة إفلاسها وعجزها.

كان التنامي المطّرد للجماعات الإسلامية في جامعات مصر, مع تميّزها الواضح عن الاتجاهات الموجودة يومئذٍ؛ حدثاً حرّك في نفسيّة القاسمي روح التأمّل والتقويم, ثمّ جاءت حركة التغيير الاجتماعيّة داخل مجتمع الجامعة على يد الإسلاميين لتصادف نفسيّةً جسورة توّاقة وقلباً جريئاً غير هيّاب, يعرف ذلك عن أبي طلال كلّ من عاشره.

فسرعان ما دلف الرجل إلى حياة الالتزام, وقد كان لنشأته الدينيّة دور كبير في تهيئته لسلوك هذا الطريق, وما أن خطى فيه الخطوة الأولى حتّى هرول متقدّماً الصفوف, أهَّله لتلك المكانة الخاصّة قوّة الحافظة, وفصاحته الخطابيّة, وشخصيّته الآسِرَة التي حازت احترام إخوانه ومحبّتهم منذ عهده بالالتزام.

فتولّى مسؤولية الجماعة الإسلامية بكليّته ثمّ أميراً لجامعة المنيا كلّها في الفترة ما بين 79 - 1981م, وكانت جامعات الصعيد قد توحّدت تحت مجلس شوري واحد برئاسة د. ناجح إبراهيم, واختير طلعت قاسم ليكون أحد أعضاء المجلس المختار على مستوى الجامعات.

وكانت جماعة الإخوان المسلمين استطاعت في ذلك الوقت أن تستقطب بعض القيادات الطلاّبية من الإسلاميين, حيث كانت قيادات الإخوان حديثة عهد بالخروج من السجن, وكانوا إلى هذا الوقت يقضون أحكاماً مؤبّدة ومؤقّتة منذ محاكمات الحقبة الناصريّة الجائرة, فأرادوا أن يعودوا إلى ساحة العمل الإسلامي من خلال شباب الجامعات الذي استطاع أن يشقّ له طريقاً إلى قلوب الناس, وأن يتحوّل إلى تيّار جماهيري امتدّ إلى خارج أسوار الجامعة.

ولقد كان للقاسمي دور كبير في الحفاظ على التوجّه السلفي للجماعة الإسلامية داخل جامعة المنيا في حين كانت القيادات القديمة للجماعة ألحقت بعض مساجد الجماعة المنتشرة في المدينة بجماعة الإخوان.

كما كانت للقاسمي محاولات لإقناع القيادات المستقطبة بالعدول عن قرارها بدخول جماعة الإخوان, ولكنّ كان الأمر قد خرج من يدهم.

وفي سنة 1981 وبالتحديد في الخامس من سبتمبر أصدر الهالك السادات قرارات التحفّظ الأخيرة, وكان القاسمي وقت ذاك طريح الفراش وقدَمُه بالجبس فلم يتمكّن من مغادرة بيته رغم تسريب خبر التحفّظ عبر أحد ضبّاط الأمن المتعاطفين في رسالة يحذّر فيها قيادات الجماعة من القبض عليهم خلال أيّام, حيث سارعت كلّ القيادات إلى الاختفاء إلا القاسمي الذي أقعده المرض حتّى قُبِضَ عليه, وكأنّ الأقدار ادّخرته لأمر آخر, إذ كان وجوده في السجن أثناء عمليّة اغتيال السادات سبباً في تخفيف الحكم عليه إلى سبع سنوات وعدم دخوله في قضيّة الاغتيال أصلاً, وإلاّ فإنّه كان من الطبيعي أن يشمله قرار الاتهام باعتباره عضو مجلس شورى التنظيم السرّي للجماعة.

عقب خروج القاسمي من حبسه بعد قضاء سبع سنوات هي مدّة العقوبة المحكوم عليه بها, لم يكد يستقرّ في بيته حتّى انطلق بحماسته المعهودة يدعو إلى الله, وينظّم أمور الشباب في مختلف محافظات مصر حتّى قُبِض عليه بعد بضعة أشهر فقط من خروجه من السجن, وأثناء ترحيله من أحد السجون تمكّن من الهروب بعد أن غافل حارسه, تاركاً معه حقيبته الخاصّة التي جعلت الرجل يطمئنّ إلى أنّه سيعود حتّى بعد أن انقضى على هروبه عدّة أيّام (!!).

إقامة الحجة على الحبشي · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إقامة الحجة على الحبشيص ١٦