يقول ابن كثير رحمه الله، في قوله تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾: ((يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة انه لا يؤمن احد حتى يحكم الرسول في جميع الامور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب النقياد إليه ظاهرا وباطنا)).
ويقول ايضا، في تفسير ﴿وما اختلفتم من شيء فحكمه إلى الله﴾: ((فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: ﴿ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر﴾ اي ردوا هذه الخصومات إلى الله ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر، فدل على ان من لم يتحاكم إلى الكتاب والسنة ولم يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله وباليوم الاخر)).
ويقول ايضا: ((فمن ترك التشريع المحكم المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة فقد كفر، فكيف بمن يتحاكم إلى الياسق (3) وقدمها عليها، لا شك ان هذا يكفر بإجماع المسلمين)).
يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله، في تفسير ﴿فاولئك هم الكافرون﴾: ((الظاهر المتبادر من سياق الآيات انها نازلة في المسلمين، لانه تعالى قال قبلها مخاطبا مسلمي هذه الامة ﴿فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا ياياتي ثمنا قليلا﴾ ثم قال ﴿ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون﴾. . .)). (اضواء البيان الجزء2).
يقول القرطبي في احكام اقرآن، نقلا عن القاضي: ((ظاهر الآيات يدل على ان من فعل مثل ما فعلوا - اي اليهود - واخترع حكما يخالف به حكم الله يعمل به فقد لزمه ما لزمهم من الوعيد المذكور. . /محاسن التاويل)).
بعض العلماء يقولون ان آية ﴿ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون﴾ عامة في كل من لم يحكم بما انزل الله، وبه قال السدي، وقال ابن مسعود: هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الامة، فكل من ارتشى وحكم بغير حكم الله فقد فسق وظلم وكفر.
هناك قوله يقولها - بعض الناس - " كفر دون كفر "، نعم قال ابن عباس رضي الله عنهما هذه القولة، ولكن هذا الكفر الدون اسمه كفر ايضا، ويقصد ابن عباس رضي الله عنهما: من عنده اصل التشريع هو الإسلام، ولكن في مسئلة او مسئلتين او اكثر لهوى في نفسه، وهو يعلم ان حكم الله هو الاولى وهو الاجدر وواجب الاتباع، وهو يعلم انه مقصر مذنب، هذا اسمه كفر دون كفر ولا يخرج به من الملة.
ولهذا يقول ابن ابي العز رحمه الله في شرح الطحاوية: ((وإن اعتقد وجوب الحكم بما انزل الله وعدل عنه مع اعترافه بانه مستحق للعقوبة، فهو عاص، ويسمى كفرا مجازيا او كفر اصغر)).
قال ابن القيم: ((فإن اعتقد وجوب الحكم بما انزل الله فعدل عنه فهذا كفر اصغر)). (مدارج السالكين).
اما الذين يسوغون للناس حكما بغير ما انزل الله بصورة قوانيين وضعية - حتى وان وافق بعضها بعض ما انزل الله - فهذا ارتداد عن الدين بإجماع المسلمين، وكلام العلماء يدل على ان الحاكم الذي لا يحكم بما انزل الله يكون مجرما فاسقا ظالما كافرا كفر اصغر غير مخرج عن الملة مادام تتحقق فيه الشروط التالية:
1 - ان يكون الحكم في قضية معينة - واحدة - وليس منهج وسنة حياة.
2 - ان يعتقد وجوب الحكم بما انزل الله في هذه الواقعة التي لم يحكم فيها بما انزل الله.
3 - ان لا يعتقد انه مخير بالحكم او عدم الحكم بما انزل الله، مع تيقنه ان الحكم لله.
4 - ان يعتقد انه مرتكب حراما، فاعل قبيحا.
اما اذا اتى بشرع جديد من وضعه او وضع غيره فانه يكون مبدلا منحيا لحكم الله، ولا يدخل تحت هذا القسم مطلقا.
يقول ابن القيم رحمه الله: ((وان اعتقد انه غير واجب، وانه مخير فيه مع تيقنه انه حكم الله فهذا كفر اكبر)). (مدارج السالكين).
ويقول شارح الطحاوية: ((وهنا امرر يجب ان يتفطن له، وهو ان الحكم بغير ما انزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة، وذلك بحسب حال الحاكم، فإنه ان اعتقد ان الحكم بغير ما انزل الله غير واجب وانه مخير فيه، او استهان به مع تيقنه انه حكم الله فهذا كفر اكبر)).