العالم بحاجة إلى تجرد من الدنيا، لماذا؟ لأنه لا يكاد يحصل حدث من الأحداث، أو نازلة من النوازل يحتاج فيها للعالم بالنصوص الشرعية إلا وجد العالم الدنيا مخالفة للنص، وهذه سياسة متبعة، وإذا لم يكن هناك إخلاص ومراقبة سيقع في الخطر، ويكون علمه وبالاً عليه؛ فأول من يقذف في النار العالم، لماذا؟ لأن العالم إذا تعلم العلم لغير الله كان أول من تسعر به النار يوم القيامة؛ لأنه هو القدوة؛ ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام -كما جاء عند الإمام مسلم من حديث سليمان بن يسار- عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أول من تسعر بهم النار ثلاثة: رجل قرأ القرآن، وتعلمه، وعلمه، فيؤتى به فيعرفه الله نعمته فيعرفها فيقال له: ماذا عملت؟ فيقول: تعلمت القرآن وقرأته، وعلمته لك، فيقال: كذبت. تعلمت القرآن ليقال: قارئ، فيؤمر به إلى النار فيدخلها)، وهذا أول من تسعر به النار. فإذا كان الإنسان يتعلم العلم ويظن أنه لله ثم يبلغ، ويظن أنه لله، ثم يحاجج الله أنه لله، يدل على أنه قد كابر حتى نفسه، وظن أنه قد اتبع أمر الله سبحانه وتعالى. سقوط النفس من أعظم ما يصرف عن الحق واتباع الدليل، وبيان الحق للناس، وخاصة في قضايا الأمة العامة.
الفهم الدقيق لإنزال النصوص
كما أن العالم ينبغي أن يكون مستحضراً لنصوص الكتاب والسنة، عارفاً بها، وعارفاً وجوه الاستدلال، وعارفاً أيضاً للنوازل التي تنزل بالأمة، وأن يكون بصيراً بالمآل في حال ورود الحكم الشرعي على مثل هذه النازلة، فربما لم تكن هذه من الموافقات، فاحتاجت إلى ما يخالف ذلك الأصل المطرد، فاحتاج إلى أن يفتي بغيره؛ لهذا شرع الله حدوداً، وأمر بإقامتها، وبيّن أن حدوده لا يجوز أن يتعداها أحد، وأن الإنسان لا يمكن أن يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ويجد في نفسه حرجاً مما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يجب عليه في ذلك أن يسلم تسليما.