فهذه النقولات وأمثالها تدل على عمل العلماء وقولهم بهذا الشرط، وإن لم ينصوا عليه صراحة. ولكننا إذا جئنا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، فإننا نجده قد عبر عن هذا الأمر بعبارات صريحة فيما نقلناه عنه في الأوراق السابقة، وبيَّن أن الأحكام الكلية العامة لا يحكم فيها إلا رب العالمين، إله الأولين والآخرين.
هذا ولعلي أكون قد أطلت النفس في الحديث عن الشرط الثالث شيئاً ما، ولكن لي في ذلك العذر، وهو متمثل في أمرين:
الأول: أن جمهرة كبيرة ممن تكلمت في هذا الموضوع أغفلت التنصيص -للأسباب التي أسلفتها- على هذا الشرط، وذكره وضرب الأمثلة له لتوضيحه.
الثاني: أن الواقع الذي نعيشه في بلاد المسلمين، تقع المخالفة فيه في هذا الشرط -أعني: الشرط الثالث- بصورة واضحة لا يستطيع أحد من المغيرين المبدلين أو غيرهم إنكارها، كما أن الأدلة على وجود هذه المخالفة لا يستطيع أحد منهم التملُّص منها (1). وذلك على العكس من الشرطين
(1) وهي ممثلة بأوضح ما يكون في مدونات الدساتير والقوانين المشتملة على كثير مما يناقض الثابت المعلوم أنه من شريعة الإسلام، في الوقت نفسه الذي تمثل فيه هذه الدساتير والقوانين الشرع العام المعلن الذي يرجعون إليه ويحكمون به، ويجبرون الناس على التحاكم إليه، ويعاقبون من خرج عليه بأنواع العقوبات المختلفة.