الثابت تاريخيّاً أنه لم يحدث منذ عصر الصحابة -رضوان الله عليهم- حتى مجيء التتار واستيلائهم على ديار المسلمين، أن وُجد حاكم سنَّ تشريعاً أو قانوناً مناقضاً لشرع الله، وأعلنه شرعاً متَّبعاً عامّاً يحكم به بين الناس. وأول ما حدث هذا حدث بعد استيلاء التتار على بلاد المسلمين، وأعلنوا الياسا (الياسق) شرعاً عامّاً متبعاً يُحكم به بين الناس، وقد تبين لنا ما نقلناه عن الحافظ ابن كثير -فيما مضى- أن هذا كفر بإجماع المسلمين؛ فما القصة إذن في قولهم: «كفر دون كفر»؟
ولنعد إلى القصة من بدايتها حتى يتم تصويب هذا الأمر في ذهن من أخطؤوا فهمه، ولنقدم بين يدي ذلك بذكر أصلين ينبغي لنا الإحاطة بهما ومعرفتهما معرفة جيدة.
الأصل الأول:
أن من لم يقبل حكماً من أحكام الله أو أحكام رسوله، أو أي شيء جاء عن الله أو عن رسوله -بعد علمه بأنه من دين الإسلام- فقد كفر والعياذ بالله؛ لأن حقيقة الإسلام هو الاستسلام الكامل لله -تعالى- وحده، وقبول كل ما جاء عن الله أو عن رسوله ?، فمن لم يستسلم وأبى الانقياد - ولو لحكم واحد من أحكام الله ورسوله- فقد استكبر، ومن استسلم وانقاد لغير الله فقد أشرك، وكلا الأمرين خروج وردّة عن الإسلام، فلا يكون المرء مسلماً حتى يستسلم