فأما معنى تعظيم المقسم به فذلك مما انضم به في بعض الأحوال فهو من عوارض القسم. وسيأتي.
وبعدما علمت حقيقة القسم وأصل مفهومه نذكر لك المفاهيم التي هي فروع على الأصل، وهي الإكرام والتقديس والاستدلال، ونذكرها بالترتيب لتفهم وجوهها وتميز بين معانيها، حتى يسهل لك النظر في أقسام القرآن، فتعرفها على وجهها، وتكون على بصيرة في تأويلها.
(9)
القسم على وجه الإكرام
للمقسم به، والمتكلم، والمخاطب
لما كان الصدق من أحب سجايا العرب - لا سيما إذا عاهدوا على أمر، وأعطوا له أيمانهم، وأشهدوا عليه - فإذا صاروا حلفاء، أو عقدوا عقد الجوار، أو نذروا بأمر، أوفوا ذمتهم، وعدوا الكذب فيها بعد القسم عاراً عظيماً وذلة كبيرة، لأنفتهم وللحمية التي جبلوا عليها.
وكان في رهن أيديهم للعقود عندهم آية على أنهم يخاطرون لها أنفسهم، فتضمن القسم مخاطرة النفس كما مر في الفصل السادس.
ولذلك كثر قسمهم بقولهم: لعمري، أي أنا أخاطر على هذا القول حياتي. وربما بينوا هذا المراد كما قالت ريطة بنت العباس السلمي:
لعمري وما عمري عليَّ بهين لنعم الفتى أرديتم آل خثعما
وقال النابغة الذبياني:
لعمري وما عمري عليَّ بهين لقد نطقت بطلا عليَّ الأقارع
وهذا كثير، ومن هذه الجهة انضم مفهوم الإكرام بالمقسم به. فإن المتكلم لا يدل على تأكيد قوله بهذا الطريق إلا إذا أقسم بما يكرمه ويضن به. فهذا أصل هذا النوع من القسم، ثم تجاوزوه إلى قولهم (لعمرك) أو ما يشبهه لما فيه من إكرام المخاطب. كأن القائل أراد أني لا أقسم بعمري بل بعمرك الذي هو أعز وأكرم عليَّ. وهذا هو الأصل، ثم ربما لا يراد به إلا تأكيد القول مع إكرام المخاطب، ولما كان هذا أحسن في التحاور كثر قولهم في القسم: لعمرك ولعمر أبيك، أو وَجَدِّكَ وبعزتك، وأمثالها.
وهذه الكلمات التي ذكرنا كثر استعمالها للقسم فلا حاجة إلى نقل السند لها. ولكن يهمنا في هذا القسم النظر إلى أمور:
الأول: أن المقسم به في هذه الأقسام، وإن كان عند المتكلم كريماً ومضنوناً به، لكنه لا يكون مما يعبده ويقدسه، كما سترى في أقسام دينية نذكرها في الفصل التالي.
الثاني: أنه إذا أضيف المقسم به إلى المخاطب دل على إكرامه، كقوله تعالى: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) فأكرم الله نبيه بهذا الخطاب. ومنه قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك).
وإذا أضيف إلى المتكلم دل على عزته ومنعته، كأنه قال: إن حياتي وعزي منيع لا يرام. ومن هذه الجهة لا ينبغي هذا القسم لعباد الله الخاشعين المتواضعين. ولعل المسيح أشار إلى هذا الأمر حيث قال عليه السلام فيما نهى عن الحلف مطلقاً: (لا تحلف براسك لأنك لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء).
الثالث: أنه لما كان من بعض وجوه القسم الدعاء بالسوء على الحانث، كما مر في الفصل السادس، وربما انضم بهذا النوع ذلك المفهوم، كأن الحالف قال: إن كنت كاذباً أُبِيدَ عمري، وأهينت عزتي.
ولا يخفى عليك مما ذكرنا أن هذا النوع من القسم لا يكون إلا بإضافة المقسم به، إما إلى المتكلم أو إلى المخاطب، ولا يكون إلا بألفاظه الخاصة التي ذكرناها. ولا يكون إلا بأمور عرف عزتها على المتكلم. فبين أن أقسام القرآن بالذاريات والعاديات والخنس الجوار الكنس وأمثالها لا يكون من هذا النوع.
واعلم أن هذه الأقسام ليست من جهد أيمانهم، وعلى الأكثر تستعمل لمحض التأكيد بمعنى أقسمت، ولذلك ربما قالوا: لعمر الله، فلا يريدون بها تمام معناها الأصلي إلا إذا بينوه كما مر في قول ريطة السلمية والنابغة.
ثم إن لهم أيماناً غليظة غير ذلك، ويأتيك ذكرها في الفصل الآتي.
(10)
القسم على وجه التقديس للمقسم به
تقدم الحديث عن دواعي توثيق أقوالهم، فربما دعتهم تلك الدواعي إلى مبالغة الاستيثاق والمغالاة فيه، فكانوا يجتمعون للمعاهدة بمشهد معابدهم. وبذلك خلطوا بالقسم جهة دينية، وأرادوا به جعل الرب شاهداً على قولهم، فإن كذبوا فيما أقسموا عليه أسخطوه.