فأقسمت يا عمرو لو نبهاك إذاً نبها منك أمراً عضالا
وقال ريطة السلمية:
فأقسمت لا أنفك أحدر عبرة تجود بها العينان مني لتسجما
وقالت خرنق أخت طرفة:
ألا أقسمت آسى بعد بشر ... على حي يموت ولا صديق
وجاء في القرآن: (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) ومنه قوله تعالى: (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين * فدلاهما بغرور).
فإن قيل: إن المقسم به مقدر، وهو الله تعالى.
قلنا: إن أردت الاحتمال فلا ننكره. إنما قولنا إنه غير لازم، فلقد رأينا أن القسم يكون بالله تعالى وبغيره، وربما يكون مجرداً عن المقسم به، وحينئذ لا يراد به إلا التأكيد والجزم المَحض.
وأما الحلف فمعناه القطع والحدة، فيشابه كلمة القسم. يقال: سنان حليف، أي قاطع، ولسان حليف، أي حديد ذَلْق. وعند الأزهري هذا مأخوذ من الحَلْفِ، وهو نبات أطرافه محددة.
فقولهم: حلف على أمر، كقولهم: قطع به. وهذا هو الأصل. ثم اختص مثل (القسم) بشدة الفصل والجزم في القول. ولذلك لا يلزمه المقسم به، ألا ترى أنهم إذا عقدوا الموالاة بينهم بأي طريق كانت، سموا حلفاء. وقد علمت طرقه المختلفة التي لم يحلفوا فيها بشيء.
فتبين مما مر بك في هذا الفصل والذي قبله أن القسم لا يلزمه المقسم به فضلاً عن تعظيمه. وتلك هي كلمات قد كثر استعمالها للقسم بحيث إنه لا يلتفت إلى أصول معانيها، ولذلك قدمنا ذكرها.
ثم للقسم كلمات أخر لم يذهل عن معانيها الأصلية، فإذا نظرنا فيها وجدناها أظهر دلالة على أنها ليست في شيء من تعظيم المقسم به، ونذكر هذه الكلمات في الفصل الآتي.
(8)
بيان أصل معنى القسم إذا كان فيه مقسم به
بعد ما علمت معنى القسم المجرد عن المقسم به، لا يبعد عنك فهم معناه إذا أقسم فيه بشيء. فإنما هو ضم المقسم به مع المقسم كالشاهد على قوله، ولذلك كثر استعمال الواو قبله وكذلك الباء. وأما التاء فإنما هي مقلوبة من الواو كما ترى في تقوى وتجاه، فهذه الحروف للمعية ولضم الشيء بالشيء.
ويؤيد هذا التأويل ما علمت من تاريخ القسم وطرقه. فإنهم لم يقسموا إلا على رؤوس الأشهاد. فكانوا شهداء على أيمانهم لتأكيدها. فإن الرجل يجتنب أن يجعل نفسه كاذباً في عيون الناس.
ويشهد على هذا ما جاء في القرآن في ذكر ميثاق النبيين حيث قال عز من قائل: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين * فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).
أي قد أوثقنا هذا العهد بمشهدي ومشهدكم، فلا يسوغ الإنكار بعد ذلك إلا بالفسق.
وأصل هذا التأكيد أن المرء إذا قال: أشهد به، فقد صرح بأنه يقول بعلمه ومشهده، لا بسماعه. فلا يمكن له العذر إن كذب. ولذلك قال إخوة يوسف عليه السلام: (وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين). واستعمال هذا الوجه في القسم يرى في قوله تعالى: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا).
ثم في الشهادة أكبر وجوه التأكيد من جهة أخرى. وهي أن الرجل إذا قال: أشهد أن الأمر كذا، فكأنه قال: أنا أقول هذا كمن يقوم شاهداً على أمر، والكذب في الشهادة أكبر إثماً وأشد ذماً.
ولذلك ورد النهي عنه خاصة في الشرائع، كما جاء في الأحكام العشرة من التوراة. ويشبهه ما ذكر في القرآن في مدح الأبرار (والذين لا يشهدون الزور) على أظهر تأويله.
ثم ترى صريح قولهم في أقسامهم (أنا أشهد) (والله يشهد) (والله يعلم). وهذا في أكثر اللغات.
فإننا نرى الأمم في المشرق والمغرب مع اختلاف كثير في عاداتهم لا يختلفون في أنهم إذا قالوا: الله شهيد على ذلك، أو ما يشبهه، أرادوا به القسم.
قال سيبويه رحمه الله في ذكر لام اليمين: (واعلم أن من الأفعال أشياء فيها معنى اليمين يجري الفعل بعدها مجراه بعد قولك: أقسم لأفعلن، وأشهد لأفعلن) الكتاب 1/ 454 فصرح بأن (أشهد) معناه اليمين، وأن قولك (أقسم) كقولك أشهد.