تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كانت دائرة حكومتهم ضيقة، ولم تفرق الأمم المتجاورة حدود فطرية كالجبال الشامخة، والبحور المتلاطمة، لم يمنع الجيران عن الاقتتال غير المعاهدة، فصارت هي أحصن معاقلهم.

وربما اتفقت أقوام لم تجمعهم أواصر القرابة على خلاف عدو، فعاهدوا على التعاون. فأيما كان من سلم أو حرب، إذا عظم أمرها فزعوا إلى العهد، ولذلك ترى إبراهيم عليه السلام لما هاجر قومه، وسكن في بلاد العرب، ورآه أبو ملك ذا بأس ومنعة، هابه واستعظمه فعاهد به على رسم خاص، لكيلا تكون بينهما حرب، وصارا حليفين بهذه المعاهدة.

والتاريخ شاهد بعظم مكانة المعاهدة في التمدن، حتى ترى الآن اعتصام الأمم العظيمة بها. والعرب كانوا في جاهليتهم أشد الأمم بأساً وألدهم خصاماً، كما أنهم أبرهم ميثاقاً وأوفاهم ذماماً. وكانت الكعبة أعظم معاهدهم. وحرماتها أكبر وازع لهم عن الحرب، فتطفأ نارها في شهور الحج، ويأتون إلى الكعبة من كل فج محرمين راهبين مختلطين في غاية الأمن، كالخرفان بعد أن كانوا أسوداً ضارية. وذلك كله من تعظيمهم للكعبة، حتى إنهم سموا مكة صلاحاً وأم الرحم، فإذا حاولوا توثيق عهد جاءوا إلى هذا المعبد ليقسموا بالله العظيم على مواثيقهم.

ومن شركهم ربما أقسموا عند أنصابهم التي ذبحوا عليها لشفعائهم عند الله الأكبر.

وكانوا يقسمون: إما بإهراق القربان، أو بمسح الكعبة كما ستعلم مما ذكروا في أشعارهم، أو بغمسهم أيديهم في عطر ومسح الكعبة بها، كما ترى في حلف المطيبين الذي كان قبيل البعثة، حين أرادت بنوعبد مناف أن يجمعوا أمرهم، فوضعوا جفنة طيب لأحلافهم عند الكعبة، فغمس القوم أيديهم فيها، ثم مسحوا بها الكعبة، فسموا المطيبين. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رضي الله عنه منهم. أو بمجرد شهودهم عند البيت وعقدهم أيمانهم لديه.

فهذا أصل قسمهم الديني، ثم توسعوا فاكتفوا بمجرد ذكر الكعبة ومشاعر الحج، كما سترى التصريح به في بعض هذه الأمثلة التي نذكرها.

قال زهير بن أبي سلمى:

فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهم

وقال أيضاً:

فتجمع أيمن منا ومنكم بمقسمة تمور بها الدماء

وقال أعشى قيس:

فإني وثوبي راهب الحج والتي بناها قصي وحده وابن جرهم

وقال أيضاً:

حلفت له بالراقصات إلى منى إذا مخرم خلفته بعد مخرم

وقال الحارث بن عباد:

كلا ورب الراقصات إلى منى كلا ورب الحل والإحرام

وقال النابغة الذبياني:

فلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد

والمؤمن العائذات الطير تمسحها ركبان مكة بين الغيل والسعد

ما قلت من سيء مما أتيت به إذاً فلا رفعت سوطي إلي يدي

إذا فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالفند

وقال شأس أخو علقمة الفحل:

حلفت بما ضم الحجيج إلى منى وما شج من نحر الهدى المقلد

وقالت غنية الأعرابية تصف ابنها:

أحلف بالمروة يوماً والصفا أنك خير من تفاريق العصا

وأما حلفهم بالأنصاب فمنه قول المهلهل:

كلا وأنصاب لنا عادية معبودة قد قطعت تقطيعا

وقول طرفة:

فأقسمت عند النصب أني لهالك بمتلفة ليست بغبط ولا خفش

وقول الملتمس:

أطردتني حذر الهجاء ولا ... والله والأنصاب لا تئل

وقال رشيد بن رميض العنزي:

حلفت بمائرات حول عوض وأنصاب تركن لدى السعير

والقسم بالأنصاب قليل جداً فكان جل أقسامهم المؤكدة بالكعبة ومشاعر الحج. فإن العرب مع اختلاف دياناتهم في الجاهلية لم يختلفوا في تعظيم هذا البيت العتيق. وعلموا أنه أول بيت الله الذي وضع للناس، حتى إنك ترى النصارى منهم كانوا يقسمون به. قال عدي بن زيد وقد تنصر في الجاهلية:

سعى الأعداء لا يألون شراً عليك ورب مكة والصليب

وقال الأخطل وكان مجاهراً بنصرانيته:

حلفت بمن تساق له الهدايا ومن حلت بكعبته النذور

وقال أيضاً:

لقد حلفت بما أسرى الحجيج له والناذرين دماء البدن في الحرم

إمعان في أقسام القرآن · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إمعان في أقسام القرآنص ١٠