تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وآَلتْ حِلْفَةً لم تَحلَّلِ

وقال طرفة:

فآليت لا ينفك كشحي بطانة لعضب رقيق الشفرتين مهند

وقالت غنية أم حاتم الطائي:

لعمري لقدماً عضني الجوع عضة فآليت ألا أمنع الدهر جائعا

وهذا كثير في كلامهم، يقولون: آليت مرادفاً لأقسمت.

وربما استعملوا لام التأكيد، وقالوا لأفعلنه، أو مثله. كقوله تعالى: (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم)، أو كقوله تعالى: (ولينصرن الله من ينصره)، أو كقول لبيد:

ولقد علمت لتأتين منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها

قال سيبويه رحمه الله: (كأنه قال: والله لتأتين). وإنما قال هذا على طريق التمثيل، فإنه رحمه الله أراد أن ههنا يميناً، كما قال في ذكر لام القسم.

ومثل ذلك: (لمن تبعك منهم لأملأن)، إنما دخلت اللام على نية اليمين، والله أعلم، فلم يرد أن ههنا قسماً بشيء، بل المراد أن مجرد قوله تعالى: (لأملأن) يمين. وذلك لأن القسم ليس إلا التأكيد، ولا تحتاج إلى تقدير المقسم به في كل موضع.

وعلى هذا الأصل كل ما ترى في القرآن من لام اليمين، وإذا جاءت قبلها كلمة تدل على اليقين والجزم كانت مشابهة بكلمة القسم، كما رأيت في بيت لبيد الذي مر آنفاً. ومثله في قوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين).

ومثله قوله تعالى: (قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم).

فليس لك أن تقدر مقسماً به في هذه الأمثلة التي ذكرناها، ولا يليق بها كما يظهر من سياق الكلام.

فكل ما ذكرنا من طريق اليمين والحلف وتعبيراته يدلك على أن المقسم به ليس من لوازم القسم حتى تقدره كلما لم يذكر، إنما أرادوا بالقسم تأكيداً محضاً للقول أو إظهار عزم وصريمة ألزموا به على أنفسهم فعلاً أو ترك فعل.

(7)

بيان أن القسم لا يلزمه المقسم به

بإيضاح معاني كلمات كثر استعمالها للقسم

ليس القسم بالله أو بشعائره من المعاني البسيطة حتى يوضع له اللفظ أولاً، فيظن أن المقسم به إذا لم يذكر كان المراد منه القسم بالله تعالى. إنما القسم التعظيمي نشأ من تركيب دواعي المعاشرة وعقائد الدين. ويأتيك بيانه في الفصل العاشر.

وأما في هذا الفصل فنوضح معاني كلمات كثر استعمالها للقسم، لتعرف أنها في أصلها لم توضع للقسم بالله أو بشعائره، أو بشيء آخر. وهذه الكلمات هي: اليمين، والنذر، والألية، والقسم، والحلف.

أما اليمين، فقد علمت وجه استعمالها، وعمومها للقسم، وما فيها من معنى الرهن، والكفالة، والضمانة فلا نعيده.

وأما النذر فهو الإبعاد والتحذير. ومنه إبعاد الشيء عنك، وجعله لله، فصار بمعنى التحريم. وبهذا المعنى يستعمل في العبرانية. ومنه تحريم المشتهيات، ثم توسع لإلزام الشيء على النفس على وجه القسم كما مر.

وأما الأَليَّةُ فمعناها الإقصار عن الأمر، فيقال (الآلي) للمقصر العاجز عن الشيء. ثم جاء لترك الشيء. ومنه الإيلاء من النساء على وجه القسم، ثم توسع في معنى إلزام الشيء سواء كان للترك أو الفعل، ولكنه أكثر في إلزام ما فيه شوب من المضرة، فشابه النذر، كما قال ابن زيابة التيمي:

آليت لا أدفن قتلاكم فدخنوا المرء وسرباله

ثم توسع وصار مرادفاً للقسم، كما مر في الفصل السابق.

وأما القسم فهو في أصله للقطع. ومنه قسمت الشيء وقسمته. والقطع يستعمل لنفي الريب والشبهة، ولذلك شواهد كالصريمة، والجزم، والقول الفصل، والإبانة والصدع، والقطع فهذا هو الأصل.

ثم اختص القسم من بين هذه الألفاظ بشدة الفصل بالقول. واستعماله من باب الإفعال لخاصية المبالغة كقولهم (أسفر الصبح). ولا يلزمه أن يكون له مقسم به سواء كان على خبر أو عقد، كما قال طرفة:

كَقنطرةِ الروميِّ أقسمَ رَبُّهَا ... لَتُكْتَنَفَنْ حتى تُشادَ بِقَرمَدِ

وهذا كثير في كلام العرب. قالت جنوب في مرثيتها المشهورة:

إمعان في أقسام القرآن · الصفحة ٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إمعان في أقسام القرآنص ٧