تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتشابهت هاتان الأمتان في أمر العقد. ولذلك صارت كلمة اليمين اسماً للقسم بين العبرانيين كما هي عندنا.

وربما غمسوا أيمانهم في إناء ماء إذا كانوا كثيرين فكأنهم أخذ بعضهم يد بعض وأجمعوا أمرهم بما مسهم شيء واحد، والماء أبلغ في المس واللصوق. ولذلك قالوا: بل بالشيء يدي، أي لصقت به. قال طرفة:

إذا ابتدر القوم السلاح وجدتني منيعاً إذا بلت بقائمة يدي

وربما أخذوا عطراً، فاقتسموه بينهم، ومسحوا به أيديهم، فراحوا، وعبقه بهم، فهو أبقى من الماء وأشهر وأعرف، ولذلك سموه عرفاً ونشراً.

ومن أمثلة هذا الطريق لمعاهدتهم ما نرى في قصة عطر مَنْشِم، وهي أن قوماً تحالفوا على أن يقاتلوا عدوهم، وجعلوا آية الحلف تعاطي عطر باعوه من عطارة تسمى منشم، وقصة هذا الحلف مشهورة حتى جرى به المثل قال زهير:

تداركتما عبساً وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم

وكذلك نرى غمس الأيدي في العطر في قصة حلف المطيبين التي نذكرها في الفصل العاشر.

وربما ذبحوا بهيمة ورشوا دمها على أجسام الفريقين من الحلفاء علامة لموالاتهم إلى حد القرابة، أو لثباتهم على الحلف حتى يسيلوا مهجهم. جاء في سفر الخروج ص 24 عدد 5 - 8:

(وأرسل فتيان بني إسرائيل فأصعدوا محرقات وذبحوا ذبائح سلامة للرب من الثيران. فأخذ موسى نصف الدم ووضعه في الطسوس، ونصف الدم رشه على المذبح. وأخذ كتاب العهد وقرأ في مسامع الشعب. فقالوا: كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له. وأخذ موسى الدم ورش على الشعب. وقال: هو ذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال).

فترى هذا القسم أنهم عاهدوا الرب برش الدم على أنفسهم وعلى المذبح نيابة عن الرب، فصاروا حلفاء للرب. وهذا كثير، جاء في سفر زكريا ص 9 عدد 11: (فإني بدم عهدك قد أطلقت أسراك).

وربما وصل بعضهم حبله بحبل الآخر، فصار من حلفائه، حتى صار الحبل اسماً لعقد الذمة والجوار، كما جاء في القرآن: (بحبل من الله وحبل من الناس).

وقال امرؤ القيس:

إني بحبلك واصل حبلي وبريش نبلك رائش نبلي

وذكر الحطيئة أصل ذلك فقال:

قوم يبيت قرير العين جارهم إذا لوى بقوى أطنابهم طنبا

فهذه طرق تأكيد عقودهم بين فريقين ومن الفريقين.

وربما حرموا على أنفسهم بعض المشتهيات حتى يفعلوا بعض ما أوجبوا على أنفسهم، وسموه (نذراً). كما نذر المهلهل أخو كليب أن لا يشرب الخمر ولا يمس الطيب ولا يرجل شعره إلى أن يأخذ بثأر أخيه، وقصته مشهورة.

وكذلك فعل أمرؤ القيس وقال بعد ما حل نذره:

حلت لي الخمر وكنت أمرءاً ... عن شربها في شغل شاغل

ثم توسع معناه وصار النذر التزام شيء عن طريق القسم. كما قال عمرو بن معد يكرب:

هم ينذرون دمي وأنذر إن لقيت بأن أشدا

ولذلك سموا النذر يميناً، كما قال قبيصة بعد ذكر إيفاء النذر:

فأصبحت قد حلت يميني وأدركت بنو ثعل تبلي وراجعني شعري

في أبيات ذكرت في الحماسة. أي بعد إدراك تبلي حل نذري، أي ما حرمته علي بالنذر.

ويشبه النذرَ دعوتهم على أنفسهم أو إلزامهم إياها سوءاً إن كانوا كاذبين في خبر أو وعد. كما قال معدان بن جواس الكندي:

إن كان ما بلغت عني فلامني ... صديقي وشلت من يدي الأناملُ

وكفنت وحدي منذراً في ردائه وصادف حوطاً من أعادي قاتلُ

ومثله ما قال الأشتر النخعي:

بَقَّيتُ وفري وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافي بوجه عبوسِ

إن لم أشن على ابن حرب غارة لم تخل يوماً من نهاب نفوسِ

ومن هذا الدعاء بالمكروه لمحة في الأقسام الدينية. فإن فيها خوف سخط الله ولعنته إن كذب الحالف بعد إشهاد الله على قوله.

وربما كفوا عن شيء من غير شرط، وسموه (أَليَّةً) كما جاء في القرآن: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر). ثم توسع استعمالها فصار قولهم (آليت) مرادفاً لقولهم (أقسمت). قال امرؤ القيس:

إمعان في أقسام القرآن · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إمعان في أقسام القرآنص ٦