فلو اقتصر على الجزء الأول من جوابه، وقال: إن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة، وتخاف مغبتها، وتعتقد أن الرجل لا يحلف كذباً، فإذا حلف أحدٌ أصغوا إليه، كان أقرب إلى ما يجاب به عن الشبهة الأولى والثانية جواباً ضعيفاً.
(الثالث: أن الأيمان التي حلف الله تعالى بها كلها دلائل أخرجها في صورة الأيمان. مثاله قول القائل لمنعمه: وحق نعمك الكثيرة، إني لا أزال أشكرك. فيذكر النعم، وهي سبب مفيد لدوام الشكر، ويسلك مسلك القسم. كذلك هذه الأشياء كلها (أي التي أقسم بها في أول الذاريات) دليل على قدرة الله تعالى على الإعادة. فإن قيل فلم أخرجها مخرج الأيمان؟ نقول: لأن الإنسان إذا شرع في أول ملامه بحلف يعلم السامع أنه يريد أن يتكلم بكلام عظيم فيصغي أليه أكثر من أن يصغي إليه حيث يعلم أن الكلام ليس بمعتبر، فبدأ بالحلف، وأدرج الدليل في صورة اليمين).
هذا الجواب يكفي لدفع الشبهة الثانية. ولكن يلزم على القائل به أن يبين وجه الاستدلال بالمقسم به على المقسم عليه.
وهذا - مع كونه ظاهراً في بعض المواضع - كثيراً ما يحتاج إلى إمعان شديد. ولعله لهذا السبب لم يعتمد عليه إلا في سورة الذاريات وفي بعض آخر. وأما في البواقي فله طريقان:
الأول: أنه ينكر وجود القسم إذا أمكنه الإنكار فراراً عن شبهات واردة على القسم. كما قال في تفسير سورة القيامة في ذكر (لا) التي تبتدئ بها السورة.
(الاحتمال الثاني أن (لا) هنا لنفي القسم. كأنه قال: لا أقسم بذلك اليوم وتلك النفس، ولكني أسألك غير مقسم: أتحسب أنا لا نجمع عظامك إذا تفرقت بالموت. فإن كنت تحسب ذلك فاعلم أنا قادرون على أن نفعل ذلك. وهذا القول اختيار أبي مسلم وهو الأصح).
هذا القول غير مختار عند العارف بكلام العرب. فإنه لو كان المراد كما فهم لكان وجه القول نفي مجرد القسم لا ذكر الأشياء الخاصة كالنفس اللوامة والخنس الجواري الكنس وغيرها. ثم هذا مخالف لأسلوب كلامهم. فإنهم يستعملون كلمة (لا) قبل القسم منقطعة، كما بينا في تفسير سورة القيامة. وهذا هو مختار الزمخشري.
والطريق الثاني: هو القول بأن القسم للتأكيد والتنبيه على شرافة المقسم به. قال في تفسير الذاريات: وقد عرفت أن المقصود من القسم التنبيه على جلالة المقسم به).
وعلى هذا الأصل قال في تفسير سورة التين: (اعلم أن الإشكال هو أن التين والزيتون ليسا من الأمور الشريفة فكيف يليق أن يقسم الله تعالى بهما؟ فلأجل هذا السؤال حصل فيه قولان) ثم ذكر فوائدهما إن كان المراد منهما هذه الأثمار، وذكر شرافتهما إن كان المراد منهما مسجدين أو بلدين.
وقد علمت أن التمسك بهذا الجواب مع كونه بادي الخلل لا يزيل الشبهة الثالثة، فإن هذه الأشياء التي أقسم بها في القرآن، ومنها: العاديات ضبحاً، والجواري الكنس، والليل، والصبح، والتين والزيتون، ليست من الجلالة بمكان يقسم بها خالقها وربها إن كان القسم لأجل شرافتها.
(4)
طريق العلامة ابن القيم رحمه الله
في تأويل أقسام القرآن لدفع الشبهات
لم يضع العلامة ابن القيم كتابه على شكل المجادلة، فيذكر الشبهات ويجيب عنها، لكنه بحث عن حكمة القسم في القرآن، وبين فيه ما يزيل الوهم ويحسم جراثيم الاعتراض، وركنَ إلى الجواب الذي استحسنتُه. ولكنه مثل الرازي لم يتمسك به كل التمسك، فذبذب بين أمرين. وهو في كتابه ربما يشرع في تفسير السور التي فيها القسم، ويخرج من قول إلى قول.
وإني أورد عليك خلاصة جوابه، وندلك على موضع الخلل فيه حسب شرطنا.
فاعلم أنه رحمه الله سلك مسلك الاستقراء، فمهد أولاً أن أقسام القرآن كلها بالله وصفاته وآياته، فقال:
(وهو سبحانه يقسم بأمور على أمور. وإنما يقسم بنفسه الموصوفة بصفاته وآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته). وبعد ذكر الأمثلة قال: