(إذا عرف فهو سبحانه يقسم على أصول الإيمان التي يجب على الخلق معرفتها. تارة يقسم على التوحيد، وتارة يقسم على أن القرآن حق، وتارة على أن الرسول حق، وتارة على الجزاء والوعد والوعيد، وتارة على حال الإنسان).
ومآله عنده إلى الجزاء، فاقتصر القسم على ثلاثة أمور. وهذه الثلاثة مآلها واحد. وهو صفته تعالى، كما ستعلم من قوله عن قريب. فبعد هذا التمهيد لم يبق له كبير حاجة إلى جواب القسم، فإن القسم بنفسه دلالة على المقسم عليه المعلوم المتعين، وهو أحد الأمور الثلاثة، فقال في ذكر القسم الذي تبتدئ به سورة والعاديات وسورة والعصر:
(حُذِفَ جواب القسم لأنه قد عُلِمَ بأنه يقسم على هذه الأمور (أي التوحيد والنبوة والمعاد) وهي متلازمة. فمتى ثبت صدق الرسول الذي جاء به. ومتى ثبت أن الوعد حق والوعيد حق ثبت صدق الرسول وصدق الكتاب الذي جاء به. والجواب يحذف تارة ولا يراد ذكره بل يراد تعظيم المقسم به، وأنه مما يحلف به).
فهذه الأقسام عنده دلالات على صفات الله، كما قال في ذكر القسم الذي تبتدئ به سورة البروج: (وكل ذلك من آيات قدرته وشواهد وحدانيته) ثم قال: (والأحسن أن يكون هذا القسم مستغنياً عن الجواب لأن القصد التنبيه على المقسم به وأنه من آيات الرب العظيمة).
وكذلك قال في ذكر القسم الذي تبتدئ به سورة الطارق: (والمقصود أنه سبحانه أقسم بالسماء ونجومها المضيئة، وكل منها آية من آياته الدالة على وحدانيته).
ثم قال في ذكر القسم الذي جاء في وسط هذه السورة: (فأقسم سبحانه بالسماء ذات المطر والأرض ذات النبات، وكل ذلك آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته).
وهكذا قال في ذكر القسم الذي في أواخر سورة الانشقاق: (وهذه _أي الشفق والليل والقمر وأمثالها آيات دالة على ربوبيته مستلزمة للعمل بصفات كماله). ثم قال في جواب هذا القسم: (يجوز أن يكون من القسم المحذوف جوابه). وهذا لما قلنا أنه لا يحتاج إلى جواب القسم فإن المقسم عليه عنده معلوم متعين.
هذا، ولا يخفى عليك الفرق بين طريق الرازي رحمه الله الذي أشار إلى أجوبة مختلفة ربما يناقض بعضها بعضاً وبين طريق ابن القيم رحمه الله الذي عمد إلى نهج واحد، واجتهد أن يعول عليه في جميع الأقسام. وهذا الطريق أحسن.
والآن ندلك على ملاك الأمر في جوابه، فاعلم أنه رحمه الله اعتمد على أصلين:
الأول: أنه سبحانه وتعالى إنما أقسم بنفسه وآياته. وأما القسم بالمخلوقات فهو أيضاً من باب القسم بذاته فإنها من آياته. وأراد بهذا الأصل إزالة الشبهة الثالثة وهي تعظيم المخلوق فوق مكانته. ولكنها لم تزل، فإن القسم تعلق صريحاً بالمخلوقات. وكونها من آياته ودلائل صفاته لا يخرجها عن كونها المقسم بها.
وقوله: (والجواب يحذف تارة ولا يراد ذكره بل يراد تعظيم المقسم به وأنه مما يحلف به) تصريح منه بأنه سبحانه أقسم بغير ذاته المقدسة، وأراد تعظيم بعض مخلوقاته. فغاية الأمر أنه تعالى لم يقسم بها إلا من جهة شريفة. ولا بأس بأن يجعل الله تعالى لبعض مخلوقاته شرفاً وكرامة، لكن الشبهة ليست في محض شرافة بعض الأشياء، فرب صغير كبير، ورب ضئيل نبيل لا ختلاف الاعتبارات، بل الشبهة في وضعها موضع ما يقسم به الرب تعالى شأنه علواً كبيراً.
والأصل الثاني الذي اعتمد عليه هو أن الأقسام كلها دلالات على المقسم عليه. وأراد بهذا الأصل إزالة الشبهة الثانية، كما فعل الرازي رحمه الله حين ذكره في وجوه أخر، فلم يعتمد عليه. وأما ابن القيم رحمه الله فاعتمد على هذا الأصل كل الاعتماد، وفسر أكثر آيات القسم على طريق يظهر به دلالة المقسم به على المقسم عليه. وإذا أشكل عليه الربط جعل المقسَم عليه محذوفاً. وجعل القسم دالاً على صفات الله وغيرها مما ذكرنا آنفاً.