(الوجه الثاني في الجواب أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله تعالى: (إن إلهكم لواحد) ذكر عقيبه ما هو كالدليل اليقيني في كون الإله واحداً، وهو قوله تعالى: (رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق). وذلك لأنه تعالى بين في قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أن انتظام السموات والأرض يدل على أن الإله واحد. فهاهنا لما قال: (إن إلهكم لواحد) أردفه بقوله: (رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق). كأنه قيل: قد بينا أن النظر في انتظام هذا العالم يدل على كون الإله واحداً، فتأملوا في ذلك الدليل ليحصل لكم العلم بالتوحيد).
وحاصل هذا الجواب أن القسم هاهنا مردف بقول فيه الحجة، فالاحتجاج بها. وأما القسم فلمحض التنبيه. وهذا الجواب يشبه الجواب الأول. وكلاهما ساكت عن بيان حكمة هذه الصور المتنوعة للقسم. فأي فائدة للعدول عن القسم بالله إلى القسم بهذه الأشياء.
(الوجه الثالث في الجواب أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها آلهة فكأنه قيل: هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في إبطالها مثل هذه الحجة والله أعلم).
هذا الجواب سخيف جداً. كأنه بعد ما اعترف في الوجهين الأولين بأن القسم لا حجة فيه، قال: إن مذهب الخصم كان جديراً بأن يجاب عنه بما ليس من الحجة في شيء.
ثم ذكر من حكمة القسم في تفسير سورة الذاريات ما يشبه بالجواب عن الشبهات، فقال: (قد ذكرنا الحكمة في القسم، وهي من المسائل الشريفة، والمطالب العظيمة، في سورة والصافات، ونعيدها ههنا. وفيها وجوه:
الأول: أن الكفار كانوا في بعض الأوقات يعترفون بكون النبي غالباً في إقامة الدليل، وكانوا ينسبونه إلى المجادلة وإلى أنه عارف في نفسه بفساد ما يقوله، وأنه يغلبنا بقوة الجدل لا بصدق المقال، كما أن بعض الناس إذا أقام عليه الخصم الدليل، ولم يبق له حجة، يقول: إنه غلبني بطريق الجدل وعجزي عن ذلك، وهو في نفسه يعلم أن الحق بيدي، فلا يبقى للمتكلم المبرهن طريق غير اليمين، فيقول: إن الأمر كما أقول، ولا أجادلك بالباطل.
وذلك لأنه لو سلك طريقاً آخر من ذكر دليل آخر، فإذا تم الدليل الآخر، يقول الخصم فيه مثل ما قال في الأول إن ذلك تقرير بقوة الجدل، فلا يبقى إلا السكوت أو التمسك بالأيمان وترك إقامة البرهان).
وفي هذا الجواب خلط بين الغث والسمين، ونقض لما قال في تفسير سورة والصافات، فإنه رحمه الله أجاب هناك في الوجه الثاني بأن القسم يتبعه الدليل، وإنما كان القسم لأجل التأكيد، والأمر كذلك. فإن القرآن لا يسكت على القسم، فلو قال إن الدليل المحض ربما لا ينجع في الخصم إذا كان قليل المعرفة بالاستدلال، وقليل الاعتماد على نظره أو متهماً للمتكلم بخلابة بيانه، فيحسن في هذه الحالات شوب الحجة باليمين - فلو قال هكذا لكان أقرب.
(الثاني: هو أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة، وتعتقد أنها تدع الديار بلاقع، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من الأيمان بكل شريف ولم يزده ذلك إلا رفعة وثباتاً، وكان يحصل لهم العلم بأنه لا يحلف بها كاذباً، وإلا لأصابه شؤم الأيمان، ولناله المكروه في بعض الأزمان).
وفي هذا الجواب كأنه أشار إلى سبب كون اليمين طريقة مألوفة عند العرب كما مر، وقد أصاب في ذلك لو لم يزد عليه ما قال من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من الأيمان بكل شريف، كأنه بين سبب خوفهم، وأراد أنهم إذا أقسموا بكل شريف خافوا سخطه إن كذبوا في يمينهم به.
وضعف هذا القول ظاهر، فإن أقسام القرآن:
1 - ربما يكون بما ليس فيه شرف.
2 - والقرآن يهدي إلى أن لا نخاف إلا الله.
3 - وأي شؤم يخاف من التين والزيتون.
4 - ثم النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبلغ القرآن من الله فالقسم منه تعالى. وهو لا يخاف أحداً.