تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاعلم أن النهي عن الحلف جاء في الخطبة المعروفة بالخطبة الجبلية المذكورة في الانجيل المنسوب إلى (مَتَّى) ببعض البسط. ولا توجد في (مرقس) ولا في (يوحنَّا) ما خلا بعض الفقرات منها. وجاءت في (لوقا) مختصرة، ولاختصاره اخترته مأخذاً لا قتباسي.

فإن نظرت في هذه الخطبة وتأملت آياتها ومواقعها تبين لك أنه عليه السلام لم يخاطب بها الجمهور، ولم يجعلها شريعة عوض التوراة، بل خص بها تلاميذه وأتباعه لمصلحة عظيمة كما ستعلمها.

أما الدليل على التخصيص فمن وجوه:

الأول: تصريحه عليه السلام بذلك. فإن هذه الخطبة في (مَتَّى) مسبوقة متصلة بقوله: (فلما جلس تقدم إليه تلاميذه ففتح فاه وعلمهم قائلاً).

وكذلك رواية لوقا تذكر أنه أحيى الليل بالصلاة. ثم إنه دعا تلاميذه، واختار منهم اثني عشر، وبعد ذلك تقول: ورفع عينيه إلى تلاميذه وقال، ثم بدأ الخطبة بقوله:

(طوبى لكم أيها المساكين لأن لكم ملكوت الله، طوبى لكم أيها الجياع الآن لأنكم تشبعون ... طوبى لكم إذا أبغضكم الناس وإذا أفرزوكم وعيروكم وأخرجوا اسمكم كشرير ... ولكن ويل لكم أيها الأغنياء؛ لأنكم قد نلتم عزاءكم، ويل لكم أيها الشباعى لأنكم ستجوعون، ويل لكم أيها الضاحكون الآن لأنكم ستحزنون وتبكون).

والثاني: أن في هذه الخطبة أحكاماً لا تليق إلا بالمساكين والفقراء. فإنه عليه السلام كما نهى فيها عن الحلف، نهى عن الكثير والاهتمام للغد وحماية النفس عن الظلم، وبالغ في ذلك حتى قال: (من ضربك على خدك فاعرض له الآخر أيضاً. ومن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك أيضاً. وكل من سألك فأعطه ومن أخذ الذي لك فلا تطالبه).

والثالث: أن في هذه الوصايا حسب ظاهرها نسخاً للتوراة. والمسيح يتحاشى عنه. فقال على سبيل دفع دخل مقدر قبل ذكر الوصايا: (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس (التوراة) أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل). متى.

ثم دفع دخلاً مقدراً آخر، وهو أنه لا كمال في ترك الدنيا بأسرها، فبين لهم أن هذا كمال إضافي: وهو التطهر عن الذنوب بالفرار عن الامتحان. وكان ذلك سنته تعليماً للذين عجزوا عن كمال أكمل، فقال (ليس التلميذ أفضل من معلمه بل كل من صار كاملاً يكون مثل معلمه) لوقا.

والمبتدعون لم يرضوا بأن تكون سنته كمالاً إضافياً. فزادوا في رواية متى: (فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات كامل). وفي رواية لوقا عوض هذه الجملة: (فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضاً رحيم).

هيهات هيهات! هل يساوي العبد ربه؟ ولكن الحق غالب، ويبقى على رغم معانديه، ويطمس على عيونهم، فانظر إلى تصريحه بما ينفي شائبة الشرك، ويبين أن كماله كمالٌ إضافي مما يختص بالفقراء، كما جاء في متى: ص 19 عدد 16 (وإذا واحد تقدم وقال له: لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله. ولكن إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا 18 فقال له: أية الوصايا؟ فقال يسوع: لا تقتل. لا تزن. لاتسرق. لا تشهد بالزور. 19 أكرم أباك وأمك، وأحب قريبك كنفسك 20 قال له الشاب: هذه كلها حفظتها منذ حداثتي فماذا يعوزني بعد؟ 21 قال له يسوع: إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني 22 فلما سمع الشاب الكلمة مضى حزيناً لأنه كان ذا أموال كثيرة 23 فقال يسوع لتلاميذه: الحق أقول لكم إنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات 24 وأقول لكم أيضاً إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله).

فبين للسائل أن كماله في اتباعه والتجرد عن أسباب التمدن، والظاهر أن هذا ليس بكمال الكاملين. ألا ترى أن إبراهيم وداود وسليمان ويوسف عليهم السلام كانوا ذوي الثروة والكمال في الدين معاً؟ هل يقال إنهم لم يدخلوا ملكوت الله؟ فبما قلنا تزول شبهة نقض الناموس، وترفع المخالفة بين التوراة والإنجيل.

إمعان في أقسام القرآن · الصفحة ٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إمعان في أقسام القرآنص ٢٢