والرابع: أن هذه الوصايا إن أريد بها العموم والإطلاق تكون مخالفة لسنة أئمة الهدى كإبراهيم وداود وغيرهما. فإنهم قاتلوا، وانتصروا، وجمعوا الوفر، وأنفقوه في المواقع المحمودة، ولم يكونوا عيالاً على الناس.
ولدفع هذا الاعتراض زادوا في رواية متى ما يحرف الكلام عن معناه. فقال: (طوبى للمساكين بالروح)، وكذلك طوبى للجياع وللعطاش إلى البر لأنهم يشبعون).
وهذا لا يبدل باقي الكلام الذي فيه الخطاب إلى الفقراء والمساكين من جهة الروح. وإنما حرفوه لأنهم لم يفهموا تأويله. وسيأتيك عن قريب.
فتبين من غير شك أن هذه الأحكام مختصة بأمة قد خلت، وقضت وطرها، وليست بشريعة كاملة يترقى بها الإنسان إلى ذروة الكمال في التمدن وتهذيب النفس، وهي شريعة الإسلام لما فيه من إسلام النفس والمال لله تعالى أولاً، ثم القيام بهما في طاعة الرب، كما قال تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) الآية، وذلك مبسوط في موضعه.
فبعد هذا التخصيص لا دليل على نهيه عن اليمين مطلقاً، وقد علمنا عقلاً ونقلاً جوازها والحاجة إليها. ونحن معشر المسلمين نوقر الأنبياء أجمعين، فلا نؤول كلامهم إلى ما يخالف العقل أو يحط الأخلاق.
وهذا يتبين كل التبين مما سنذكر في الفصل الآتي من المصلحة العظيمة التي لأجلها خصهم بهذه الوصايا. وإنما نذكرها بغاية الإيجاز، لأنها من مسائل بسطها يخرجنا عن موضوع هذا الكتاب، وهي مبسوطة في موضعها.
(20)
الحكمة في تخصيص هذه الوصايا بأتباعه
المسيحيون لا حاجة لهم إلى تطبيق النقل بالعقل، فإنهم زعموا أن الدين وراء العقل. ولكن فيهم رجالاً متفلسفين سعوا في حماية الدين عن شين كل ما يشمئز عنه العقل. وهم مع ذلك، بل لذلك عند أئمتهم وعامتهم من الملاحدة. ومنهم اسبنوزا المتفلسف الماهر بالعبرانية.
فقبل أن نبين لك ما هو التأويل عندي، نورد رأي هذا المتفلسف في أمر هذه الوصايا، لتعلم أنه يوافقنا في جعلها مخصوصة لأمة وحالة، ولتعلم الفرق بين أهل العقول من طائفتي المسيحيين والمسلمين، وتعلم أن تأويلنا مع ظهور حجته أكبر تعظيماً للشريعة وصاحبها.
زعم اسبنوزا أن المسيح عليه السلام إنما أمر أتباعه بأحكام فيها التذلل والخضوع للظالمين، لأنهم كانوا حينئذٍ مقهورين تحت سلطة الجبارين. فأمرهم بأن لا تقاوموا الشر، وتعرضوا الخدود للطمة، وأمثالها، لا لشرافة أو حسن أو تدين فيها، بل لكونها أصلح بحالهم.
فهذا الرجل مع علمه وخوضه في كتب الأنبياء وأحوالهم - أقر بكون هذه الوصايا مخصوصة، ولكنه لم يهتد إلى علة هذا التخصيص، فلئن راعى جانب العقل، فقد أضاع جانب الشريعة الإلهية والمسيح وحوارييه.
وأما نحن فنقول: إن من قرأ نسخ الإنجيل هذه بالتأمل لا يخفى عليه أن المسيح عليه السلام إنما جاء مبشراً بقرب ملكوت الله الظاهر الذي كان عبارة عن سلطة دينية. وقد كان أعطاه الله اليهود، وضيعوه، ثم دارت عليهم الدوائر. وكانوا ينتظرونه مرة أخرى لوعد الله لهم، فبشرهم المسيح بقربه، وعرفه لهم بأمثال كثيرة تطابق مطابقة واضحة نبوة خاتم النبيين.
ولما لم يؤمن به جمهور قومه، وآيسه علماؤهم لقساوة قلوبهم وتعبدهم لزخارف الدنيا، اصطفى من عامتهم البسطاء شرذمة قليلة لم يغلبهم الترف والحرص، لكيلا يعسر عليهم الدخول في ملكوت الله إذا ظهر، وحينئذ يكملون بالشريعة الكاملة. فأمرهم بوصايا تبقيهم على حالة الفقر والمسكنة، ليبقوا على طهارة القلب والتقوى والصبر، ليتوب الله عليهم حسب سنته ووعده، كما هو مبسوط في موضعه.
ولم يكن ذنبهم إلا أنهم أعطوا أموالهم في سبيل الله، وألزموا على أنفسهم الفقر، ولم يتركوا التوراة، وحرموا الخنزير، وأوجبوا الختان، ولم يقولوا بألوهية المسيح، ولم يقبلوا إلا الإنجيل العبراني الذي ضيعه الآخرون، وشنعوا على بولوس الذي بدل النصرانية، وخالف الحواريين، وادعى بأنه تعلم من المسيح في الرؤيا. فلا حاجة له إلى اتباع تلاميذه.