تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما كان في القسم إما إشهاد بنفس المتكلم، أو إشهاد بالله تعالى، وفي ذلك مخاطرة المرء بعزه وبدينه، لم يحسن التلاعب به. فيتجه النهي إليه من ثلاث جهات.

1 - إما من جهة المقسم عليه.

2 - أو من جهة المقسم به.

3 - أو من كليهما.

فأما من جهة المقسم عليه، فمن حلف على أمور سخيفة أظهر عدم مبالاته بشرف نفسه. ولذلك جاء في القرآن صيغة المبالغة في شناعة الحلف حيث قال تعالى: (ولا تطع كل حلاف مهين). فدل على أن من حلف على كل أمر جل أو دق، فقد أهان نفسه، سواء حلف بالله أو بغيره. كالذي يغضب من غير سبب، أو يضحك من غير عجب. فهذا من جهة المقسم عليه.

وأما من جهة المقسم به، فإذا أقسم عبدٌ قسماً دينياً بغير الله تعالى، فكأنه اتخذه إلهاً. فالمنع عن القسم بغيره تعالى على العموم سد لأبواب الشرك، كالمنع عن السجدة لغيره تعالى، أو كالمنع عن نحت الأصنام، كما جاء في الأحكام العشرة، ولذلك جاء في سفر التثنية ص 6 عدد 13: (الرب إلهك تتقي، وإياه تعبد، وباسمه تحلف). وهكذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القسم بغير الله تعالى.

وأما من جهة كليهما معاً، فذلك أن يقسم بالله تعالى على أمور سخيفة. وهذا جمع بين قلة المروءة، وقلة التقوى معاً. وإلى هذا يشير قوله تعالى: (ولا تجلعوا الله عرضة لأيمانكم).

فهذه هي الوجوه المحظورة في اليمين، فأما دون ذلك فلا ينهى عنه، لاسيما إذا دعت إليه دواعي المعاشرة، كما ذكرنا في الفصل السادس عشر.

وشريعتنا قد أنزلت للناس كافة فتراعي حاجات التمدن، وتميز بين دقائق الأحكام، وتنظر إلى ضعف فطرة الإنسان. كما قال تعالى: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) فلا ينبغي فيها النهي المطلق عن أمر هو المفزع عند جد الأمر وعزائم الأمور التمدنية والدينية، كما لا ينبغي فيها المؤاخذة على يمين لم يتعلق بها نية المتكلم، بل نطق بها على ما جرت به العادة في التحاور. فقال تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم).

وذلك بأن الأعمال بالنيات. فيمين اللغو وإن كانت خلاف المروءة، لا يؤاخذ عليها، لأن الرب غفور لعباده، يرحمهم لضعفهم، فلا يؤاخذ عامتهم على كل صغيرة.

وهذا الذي ذكرنا يتعلق بالأيمان العامة، فأما أقسام القرآن، فلكون جلها استدلالاً لا مخاطرة فيها لشرف ولا دين، فلا تمسها معرة.

ثم إنها على التوحيد والمعاد والرسالة. وذلك أعظم الأمور جلالة فهو أجدر ما يقسم عليه. هل نفس أحد أشرف من أن يخاطر بها لهذه الشهادة؟ أم يخاف أحد على دينه لخوف الكذب فيها. إذا لا دين له.

أم هو يستحي من إشهاد الله تعالى على هذه الأمور؟ ثم قد شهد به الله والملائكة والعالمون.

فالقسم عليه محمول على حقيقة معنى الشهادة التي تبلغها الأنبياء صراحة. فإن النبي في عموم تبليغه يقول إن الله تعالى أرسله بعلمه، ويشهد على صدقه، وهو يلوذ به، ويعتمد عليه، ويتخذه وكيلاً على ما يقول. وهذه المعاني هي التي تفهم من القسم بالله كما مر في الفصل العاشر. فأي حرج إن ذكرها بأسلوب القسم؟

ولا يخفى أن القسم إذا كان من الله بخلقه وكلماته فلا مظنة فيه للشرك، ولا معنى له إلا الشهادة الخالية عن معنى التعظيم.

وجملة الكلام أن الاعتراض على أقسام القرآن أو على أقسام الأنبياء والصلحاء الذين أظهروا بأقسامهم توكلهم على الله وفرارهم إليه واستعانتهم به، وكذلك النهي المطلق عن اليمين لم ينشأ إلا من قلة التدبر والتمييز بين الأمور.

هذا، وأما ما روي عن المسيح من نهيه عن الحلف مطلقاً، فلعلة خاصة. ونبينها فيما يتلو.

(13)

إيضاح ما تجد في الإنجيل

من النهي المطلق عن الحلف

قد علمنا، وقد اعترف علماء المسيحيين بأن أصل الإنجيل مفقود، وإنما في أيدينا تراجم اختلط فيها أقوال المسيح وأقوال الرواة، والروايات مختلفة ربما يضاد بعضها بعضاً مع اضطراب المتون وعدم السند فضلاً عن الاتصال والصحة. فالالتفات إليها والتعرض لها ليس إلا على تقدير التسليم وعلى سبيل التنزل.

إمعان في أقسام القرآن · الصفحة ٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إمعان في أقسام القرآنص ٢١