تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس في كل قسم تزيين. ولكنه لما كان مما يستفتح به الكلام، جعله سبباً لتزيين الفواتح بأن اصطفى له كلما إن صور على عنوان الكتاب، أو تمثل للعقل في مطلع الخطاب، ملأ العين والفؤاد بحسنه وجلالته. بل يجل أكثرها عن التصوير لكمال عظمتها وضيق نطاق الخيال عن سعتها.

ولا شيء من أساليب الكلام أصلح للتصوير من القسم. فإن الذي أقسمت به دعوته كالشاهد، فأوقفته بين يدي المخاطب متمثلاً.

فلما أراد الله أن يوشي عنوان السور بألوان الصور بدأها بأقسام خاصة: فترى أحياناً صورة أمر واحد كالقلم الكاتب والنجم الثاقب والخيل العاديات والرياح الذاريات والملائكة الصافات.

وتنظر أخرى إلى صور عديدة يضمها أمر جامع بينها كالتين والزيتون وطور سينين والبلد الأمين، أو كالطور والكتاب المسطور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور، أو كالشمس والقمر والليل والنهار والأرض والسماء والنفس وغير ذلك، مما يدل على أحوال أو أحداث يستدل بها على مسألة مهمة.

ولا منزلة عند العقل لهذه التصاوير لولا أن فيها دلائل على أمور عظيمة. وهذا لرعاية جانب المستمع لكيلا يتنفر، فيسد أذنيه. ومن كمال التبليغ وإتمام الحجة تليين القول وتأليف القلب. وقد أمر الله الأنبياء بهذا، كما قال تعالى لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون: (فقولا له قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى).

والسابع: تقديم الدليل على ذكر الدعوى. فيلقي أولاً على الخصم أمراً يوجهه إلى سمت لا بد أن يجلبه إلى الدعوى. ولكن المنكر إذا علم من قبل ما تريد الاستدلال عليه أخذ سمتاً آخر، وتنكب عن الوجه الصحيح. فإذا لم تذكر الدعوى يوشك أن يتوجه إلى صراط مستقيم. فإذا سار على قصد السبيل قدته إلى آخر النتيجة. ومثال ذلك كل ما ذكرنا في الوجه الرابع والخامس.

والثامن: كون القسم من جوامع الكلم. فإن المقسم به لا يذكر معه جهة الاستدلال. فلو ضم به جهة خاصة كان دليلاً واحداً، ولكن الشيء الواحد يجمع معاني كثيرة ووجوهاً مختلفة. وللمتوسم فيه دلائل شتى.

وهذا الأمر مشترك في ما ذكر من الأمور الدالة على أسلوب الآية، فجعل شيئاً واحداً موضعاً لا ستنباط دلائل كثيرة. كما قال تعالى: (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) وكما قال تعالى: (وفي الأرض آيات للموقنين* وفي أنفسكم أفلا تبصرون). فمن يحصي ما في الأرض والنفس من الآيات الدالة على القدرة والعظمة والرحمة والحكمة ثم على التوحيد والرسالة والمعاد، كما فصلناه في كتاب (حُجج القرآن).

فإذا أشهد الله تعالى بعض خلقه، ثم ذكر معه من المطالب الدينية التي يستدل عليها، ترك المتأمل أن يستنبط الدلائل من وجوه كثيرة.

وبعد الاتفاق في المستدل عليه وبعد رعاية نظام الكلام، لا بأس باختلاف الدلائل وطرقها، فإنها تتنوع وتتكثر حسب مدارج الأفهام والعقول. وجعل الله القرآن جم الفوائد لا تنقضي عجائبه، كما لا تنقضي عجائب خلقه وحكمة صنعه. قال عز من قائل: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم). ولنكتف بهذا القدر من أبواب البلاغة التي تجد في أقسام القرآن، وما أردت الاستقصاء، ومن يطيقه؟

وقد تبين مما مر معنا معنى القسم، ووجوهه، وبذلك انحسمت الشبهتان الأخيرتان المهمتان. وأما الشبهة الأولى فاضمحلت أيضاً لما ذكرنا من حاجة الناس إلى القسم وضرورته في عزائم الأمور وموقعه في التعايش والتعاشر بين الأمم والملوك والرعايا، كما مر في الفصل السادس والعاشر.

وقد تبين ورد القسم كثيراً في الكتب المقدسة وكلام الرؤساء والبلغاء، فلم يبق الآن إلا تبيين علة النهي عنه.

(18)

الفرق بين ما يحسن وما لا يحسن من القسم

إمعان في أقسام القرآن · الصفحة ٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إمعان في أقسام القرآنص ٢٠