تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن فوائد الإيجاز أنه يمكنك أن تجمع دلائل عديدة في قرب بعضها من بعض. فإذا دللن على أمر واحد من جهات مختلفة كن أشد أثراً، وأحكم أمراً، كما ترى في أقسام سور الطور والبلد والتين. فلو فصل فيها الكلام وشرح الأدلة لتشتت النظام ووهنت قوته. ويقرب منها أقسام سور الفجر والشمس والليل.

هذا، والعرب لذكائهم وكبرهم كانوا يحبون الإيجاز أكثر من أقوام أخر .. ولذلك لا ترى شيئاً من القرآن إلآ ومعناه أوفر من اللفظ، فإن أطنب قولاً من وجه أوجزه من وجوه أخر. ولذلك لا تنقضي عجائبه.

والرابع: إشراك السامع في استنباط الدليل، وذلك مما يكسر سورة خصامه. فإنه إذا علم شيئاً بعد التأمل فرح به واهتز له. فإن المتكلم إذا جعل السامع منفعلاً محضاً أتعبه وصار كلامه عليه ثقلاً. وهذا إذا لم يخالف رأيه. فأما إذا خالفه أشمأز منه وسد منه أذنه.

ولذلك ربما يستعمل الاستفهام بدل الإخبار كقولك: ألا ترى ذلك؟ وهل سمعت هذا؟

أو كما استفهم النبي عليه السلام في خطبة الوداع حيث سألهم: أي بلد هذا؟ وأي شهر هذا؟ وأي يوم هذا؟ فلذلك يجلب الالتفات، وينشط للسمع.

وقد جمع القرآن هذين الأمرين في أول سورة الفجر، فأشهد بأمور تدعو الفكر إلى استنباط الدلائل على تدبير الله تعالى وتقديره وعدله. ثم أتبع ذلك بقوله: (هل في ذلك قسم لذي حجر) ومثل ذلك قوله تعالى: (والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق* النجم الثاقب).

ورب مستدل حاذق يسوق المخاطب إلى الدعوى بسهولة من غير تسفيه رأيه، حتى يظن أنه هو الذي اهتدى إليها من قبل نفسه. وهذا مما يصير الكناية أحياناً أبلغ من التصريح.

وترى ذلك بيناً في أقسام القرآن فإنها تعرض على السامع أمراً يدعوه إلى استعمال عقله. وربما تسوقه إلى سمت الدعوى بلطافة وتدريج. كالقسم بالذاريات حتى انتهى إلى قوله: (فالمقسمات أمرا). ومثل ذلك قسمه بالمرسلات عرفاً حتى انتهى إلى قوله: (فالفارقات فرقاً * فالملقيات ذكر* عذراً أو نذرا). فلو ألقي عليه أولاً أن الرياح تفرق بين قوم وقوم أنكر ذلك.

والخامس: وضع الدليل في غير صورته، لكيلا يبادر المنكر إلى المخاصمة. وذلك غير معنى الإنشاء الذي مر آنفاً في الوجه الثاني، فإنه يسد باب الإنكار. وهذا إنما يذهل عن الخصام. لكونه غير الإنشاء تجده باقياً في صورة الخبر أيضاً.

مثلاً إن حولت قوله تعالى: (والعصر * إن الإنسان لفي خسر) وجدت بعد هذا التحويل من الإنشاء إلى الخبر أيضاً فرقاً واضحاً بينه وبين صريح الاستدلال. وهو أن تقول: إن الإنسان لفي خسر؛ لأن مر الزمان ينقص العمر، فإن هذا الاستدلال مع صحته وظهوره يدعو الخصم لحبه الجدل إلى الإنكار به. أو بالذي ينتج منه: وهو الاعتماد على الإيمان والعمل الصالح. فإنه سيقول: كلا، إن الإنسان لفي ربح عظيم، فإنه يشتري اللذائذ ويقتني المنى، بهذا العمر الذي لا بد أن يفنى. أو سيقول: كلا، فإنه إذ لا بد من البلى، فالتمتع بالشهوات أولى، كما قال الملك الضليل بن حجر القتيل:

تمتع من الدنيا فإنك فان من النشوات والنساء الحسان

ولا شك أن تلك حجة داحضة. ولكن إذا فتح باب الجدال، كثر القيل والقال. وكلما زدت إيضاحاً، ازداد الخصم جماحاً. فيحسن أحياناً أن تذهله عن وجه النزاع، فإن للإنسان به ضراوة كضراوة السباع.

وكانت العرب أشد الأمم جدلاً، وأحدهم مقولاً، كما قال تعالى: (ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون). وكذلك سماهم: (قوماً لدا).

واعلم أن هذا الوجه والذي قبله، مبنيان على لطافة الأدلة في الأقسام، فإنه كما تصرفهم عن الإنكار والنزاع، فكذلك تنشطهم للفكر والاستنباط.

والسادس: ما يعطي أوائل السور من نضرة بهجتها، ورونق ديباجتها. فتلمع الأقسام في قسمات السور على الأكثر كالغرة البارقة، وأما الذي جاء في أثناء السورة فإنما هو قليل. ومثاله كمجيء المطلع في أثناء القصيدة.

إمعان في أقسام القرآن · الصفحة ١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إمعان في أقسام القرآنص ١٩