الأول: هو إظهار التأكيد والجد في القول، كما ترى في قول المرسلين من النصارى حيث جاء في القرآن: (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون * وما علينا إلا البلاغ المبين) أو كما ترى في قوله تعالى: ((والسماء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع* إنه لقول فصل * وما هو بالهزل).
وقد علموا أن الحر المهذب إذا أقسم على أمر فقد بالغ في إظهار الجد منه، ونفى عن نفسه الهزل. ولذلك كثر القسم في أوائل النبوة حتى تبين لهم جده. وقد صرح في المثالين المذكورين. وذلك لخصوصية في أسلوب القسم، لا لأن فيه تعظيماً، كما ترى تأكيد الإثبات والإنكار بأسلوب الاستفهام أو التعجب في أكثر الأسئلة، أو تأكيد التعجب بالنداء كقولك: ياللماء، و:
يالقومي للشباب المسبكر
والثاني: كون القسم إنشاء. وذلك يبهم طريق الإنكار على الخصم. فإنه إن شاء أنكر جواب القسم، لكونه خبراً، ولكن لا يسنح له أن ينكر نفس القسم، لكونه إنشاء. كما أنه لا يتوجه إلى إنكار الصفة مع أنهما في الحقيقة من الأخبار.
وربما يجمع أقسام القرآن هذين الخبرين، كالقسم بالقرآن المجيد، وباليوم الموعود، وبالمقسمات أمراً، وبالفارقات فرقاً، وبالصافات صفا.
فإن شرحتها رأيت فيها جملتين خبريتين. مثلاً إن الملائكة صافون كالعبيد، وإن الرياح تفرق وتميز حسب أمر الله، وإن لهم يوماً موعوداً، وإن هذا القرآن مجيد. فهذه أخبار أدمجت في الصفات، ثم زيد عليها ما أدرج من القسم. وهي أن هذه الأشياء شواهد ودلائل.
فإن كان ذلك مما ينتبه الخصم لإنكاره، فتارة يصرف الخطاب إلى النهي كقوله تعالى: (يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين).
وتارة يحذف جواب القسم الذي يكون جملة خبرية. فحينئذ يكتفي بالمقسم به، ويبادرهم بكلام آخر مؤيد لما حذف، لكيلا يجد الخصم فرصة لتحويل الإنشاء إلى الخبر فينازع فيه، ولكي يجد الكلام فرصة فيه، فيستمع بعد القسم لما ينتظر جوابه، فيهجم عليه ما يؤيد الاستدلال المقصود من الكلام السابق، كقوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر * بل الذين كفروا في عزة وشقاق).
فاكتفى بالجملة الإنشائية، واجتنب الخبرية. وقد فرغ عنها بما ذكر في القسم من صفة القرآن. كأنه قيل: (قد شهد القرآن أنه لذكر ونصح لهم). ثم ذكر من خصائلهم ما لا ينكرونها بل يباهون بها، وأشار إلى أن إنكارهم ليس إلا لحميتهم الجاهلية، وجدالهم بالباطل.
ومثل ذلك قوله تعالى: (ق والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب) أي قد شهد القرآن أنه لنذير مبين من الله تعالى بالبعث، ولكنهم ينكرونه لما يعجبون أن يأتي به منذر منهم.
فأما إذا كان القسم مما لا ينكرونه لم يحذف الجواب، كقوله تعالى: (حم * والكتاب المبين* إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون).
فذكر في القسم ككونه كتاباً مبيناً، وفي الجواب كونه قرآناً عربياً، ولا ينكرون شيئاً منهما. وأما كونه منزلاً من الله تعالى فلم يخبر به كدعوى على حدة، بل جعله أصل الكلام بما خاطبهم بنفسه، فلا يتجه الإنكار إليه.
هذا، ولولا كراهية الخروج عن موضوعنا لبسطنا الكلام في حذف جواب القسم وفوائده. وذكره تحت آيات القسم أولى.
والثالث: إيجاز هذا الأسلوب للاستدلال. فإن اللفظ إذا قل يتراءى المعنى متجرداً عن حجبه، فيزيده تنويراً وتأثيراً، كأنه أرهف حده، وقرب بعده. وهذا مما يجعل الاستعارة أحياناً أبلغ من التشبيه. ولا حاجة إلى توضيح حسن الإيجاز فإنه مبسوط في كتب البلاغة.
وقد بالغ في استحسانه بعض كتاب زماننا، فقال: إن الإيجاز لهو البلاغة، وتكلف في رد جميع المحاسن إليه. وإنما جعله أصل البلاغة لتشعب أفنانه، وتقلب ألوانه. فلم يدخل باباً من أبواب البلاغة، إلا ورأى الإيجاز هناك موجوداً، فقصر النظر عليه.