فإن أشكل علينا بعض وجوهه نسبناه إلى قلة علمنا، وسيجعل الله يسراً بعد عسر، وجبراً بعد كسر، والعلوم متزايدة، والله يهدي من يشاء.
فمحض غموض جهة الاستدلال في بعض الأقسام لا يصرفنا إلى رأي باطل مع سخافته. ألا ترى الآيات الدالة ليست كلها ظاهرة الدلالة بحيث لا تحتاج إلى تأمل. والقرآن صرح بذلك وندب إلى التفكر والتدبر فيها. بل صرح بأنها لا يفهمها إلا العاقلون المتقون، كما جاء كثيراً في القرآن والصحف الأولى. ومع ذلك لا نشك في أنها دلائل قاطعة وحجج ساطعة. فهذا التحري هو الخطوة الأولى للتأمل وإعمال العقل حتى تنحل الإشكالات ويطمئن القلب بعد العلم.
وإني بحمد الله تعالى لم أطمئن لهذا الرأي إلا بعد أن تأملت في جميع أقسام القرآن، حتى تبين لي أنها دلائل. ولم يدلني عليه إلا القرآن من وجوه عديدة كما مر ذكرها آنفاً.
والسبب الثالث: وهو مدار الأولين، أنهم لما وجدوا القسم بالله تعالى وشعائره شائعاً غلب على ظنهم أن ذلك أصله. فإذا وجدوا القسم بغيره جعلوه مجازاً. ثم رأوا أن المجاز لا يصار إليه إلا إذا تعذرت الحقيقة.
ولكن محض الكثرة ليس دليل الأصلية، ولا المصير إلى المجاز مشروط بتعذر الحقيقة. بل الصواب أن تأخذ من المعاني ما هو أحسن وأحرى، وأشبه بالسياق، وما له نظائر في باقي الكلام.
فلما جعلوا الفرع أصلاً خفي عليهم حقيقة معنى القسم بالشيء، وهو الإشهاد به. فقولهم في بعض الأقسام إنها دلائل لم يكن إلا لشدة وضوح هذا المراد فيها. كأن القرآن دعاهم بصوت جهوري وجذبهم ببطش قسوري إلى صحيح معناه. ومع ذلك هم على الظن الأول. فلم يكن الخفاء من جهة القرآن بل من بعض الظن منهم عفا الله عنهم.
والسبب الرابع: شهرة بعض أمور ذات وجوه على وجه خاص، مثل قصة هلاك فرعون وقومه. فإن المشهور أنهم أهلكوا بمحض الماء، ولا يرون فيه دخلاً للريح. وحقيقة الأمر أنه كان من عجائب تصاريفها بأمر ربها. وهكذا الأمر في طوفان نوح عليه السلام، كما بيناه في تفسير سورة الذاريات. فأينما كانت المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه منوطة ببعض الوجوه، خفي وجه الاستدلال على من خفي عليه ذلك الوجه. ولما لم يكن تفصيل هذا القصص من مهمات العقائد والأحكام لم يلتفت إليها علماؤنا رحمهم الله تعالى.
والسبب الخامس: وهو يشبه ما قبله، أن علماءنا رحمهم الله تعالى شغلتهم العلوم العقلية والنقلية المشهورة عن علوم هي أكبر منها نفعاً في التفسير، وذلك هو علم لسان أوحي به إلينا وإلى من قبلنا، وتاريخ هذه الأمم السامية، وعلومهم وآدابهم. وإذ هي لا تختص بمسألة القسم لا نبسط القول فيها.
ولا حاجة إلى استقصاء أسباب الخفاء، فليكفنا هذا القدر منها.
(17)
ذكر بعض ما في القسم
من أبواب البلاغة ولطائفها
لعلك تقول: إن كانت هذه الأقسام دلائل لا غير، فلم لم تذكر على أسلوب الاحتجاج الصريح.
فاعلم أن الاستدلال إذا كان على أمور لا تتعلق بها الرغبة والنفرة، مثل ما ترى في العلوم الطبيعية والرياضية أو في تاريخ الأولين على الأكثر، كان ذكر الأدلة فيها أولى بالتصريح. فأما إذا استدللنا على أمور نفسانية يتصادم فيها من القائل والسامع حث واستنكار، وزجر واستكبار، وإلحاح وإصرار، احتجنا إلى إيراد الأدلة على وجوه مختلفة من أساليب الكلام متفاوتة في الوضاحة واللطافة والقوة والحدة.
وربما نبدل الأسلوب لمحض الاجتناب عن ملال السامع أو الرجاء أن ينجح فيه بعض الأساليب أكثر من بعض، كما صرح به القرآن: (انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) وكما فعل إبراهيم عليه السلام مع الذي حاجه في ربه، فترك الإصرار على الدليل الأول، حين لم يفهمه الخصم، وعمد إلى دليل آخر أقرب إلى فهمه: (فبهت الذي كفر).
فهذه جملة الجواب. ثم في أسلوب القسم معان مفيدة للاستدلال مما يفتح عليه من البلاغة أبواباً، ويلقي عليه من المحاسن جلباباً. ونذكر هنا بعض تلك المعاني، وندلك على ما فيه من البلاغة.