ويشبه ذلك ما جاء من التنبيه بعد القسم في سورة الواقعة حيث قال: (فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) أي إن فيها دلالة عظيمة وشهادة كبيرة. فصرح بعظمة القسم لا بعظمة المقسم به.
والسابع: ما ترى في ذكر المقسم به على صفة خاصة تشير إلى جهة الاستدلال. كقوله تعالى: (والنجم إذا هوى) وقوله تعالى: (فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس) وقوله تعالى: (والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا) وقوله تعالى: (والذاريات ذرواً * فالحاملات وقرا* فالجاريات يسرا * فالمقسمات أمرا) وقوله تعالى: (ولا أقسم بالنفس اللوامة) وغيرها.
فهوي الثريا، وخنوس النجوم، وصف الملائكة، وذرو الرياح، وتقسيمها الأمور، وملامة النفس أقرب إلى الاستدلال منها إلى التعظيم.
والثامن: ما يسبق المقسم به من صريح ذكر الآيات الدالة، ثم يعبر عن المقسم به على وجه يشير إلى تلك الآيات، كأنه مهد من قبل لما أريد من وجه الاستدلال. وهذا مما يهتز له المتدبر في نظم القرآن.
ويتضح ذلك بالمثال. قال تعالى في سورة الذاريات: (وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون* وفي السماء رزقكم وما توعدون).
أي إن لكم فيهن آية على الربوبية والدينونة، كما فصل ذلك في غير موضع من القرآن. فبعد ما ذكر أن الأرض والسماء قد اشتملت على آيات الجزاء بل على نفس الجزاء، جاء بقوله: (فورب السماء والأرض إنه) أي الدين والجزاء. وليس المراد به القرآن كما توهموه (لحق مثل ما أنكم تنطقون).
فلا يخفى أن هذا القسم - مع دلالته على التقديس لكونه إشهاداً بالله تعالى - قد تضمن الاستدلال بآيات في الأرض والسماء، لما عبر عن المقسم به على صفة تشير إلى ما سبق من صريح الاستدلال بالآيات الدالة. ولما كان وجه التعظيم في هذا القسم أظهر، وكاد يشغل عن وجه الاستدلال حسن التمهيد له من قبل.
وفي هذا القدر كفاية إن شاء الله تعالى. فإذا سأل سائل: كيف خفي الصواب على العلماء، أم كيف يطمئن القلب بهذا القول المبتدع. أجبناه بما نذكره في الفصل الآتي.
(16)
بعض أسباب خفاء الوجه الصحيح
في تأويل أقسام القرآن
مما ذكرنا من أقوال العلماء في الفصول السابقة نرى أن هذا المعنى للقسم ليس ببدع، بيد أنه خفي عليهم بعض وجوهه ومعانيه. فلم يتمسكوا به كل التمسك. فإما أن تركوه في بعض المواضع، وإما خلطوا به معنى آخر. ولنذكر هنا بعض أسباب الخفاء ليظهر عذرهم.
فالسبب الأول: أنه في بعض المواقع كان المقسم به في نفسه شريفاً، مثل القرآن والطور ومكة، أو الشمس والقمر والنجوم، أو العصر والليل والنهار، فلم يحتاجوا إلى جعل الإقسام به استدلالاً. وقد ظنوا أن القسم بالشريف العظيم عام شائع. فإذا وجدوا المقسم به ذا احتمالات أخذوا منها ما يشبه بالشرافة. وبهذا السبب منعوا عن التعريج إلى السمت الصحيح. وذهبوا من القسم في مذهب عام، كما أن الماء يجري إلى الخفض إن لم يصرفه صارف.
والسبب الثاني: أن الحكماء نجعتهم الأمور الكلية. فلا يعجبهم رأي ينخرم بعض جوانبه. ووجه الدلالة في الأقسام مع ظهوره في بعض الأمثلة كان خفياً في بعضها. ولما لم يتبين لهم وجه الدلالة فيه زعموا أن هذه الكلية لا تصح هاهنا.
وليس من دأب أكثرهم أن يقروا بالعجز ويحولوا العلم إلى الله تعالى، كما ترى ذلك في مسألة نظم القرآن. فإنه ظاهر واضح في أكثر المواضع ولم يشكل كل الإشكال إلا في قليل. فلو اعترفوا بالجهل، كما فعل بعضهم، لكان حرياً بهم. لكن تراهم لم يعتمدوا على وجود النظم. وإنما أرادوا بذلك أنه ليس كلياً، فظن العوام أن لا نظم في القرآن، وكلها اقتضاب.
والصواب أن نتحرى في كل أمر ما هو الأولى والأحسن، وقد دلت عليه دلائله، وبدت مخايله، وترجح جانبه، وتوضح لاحبه، ونكون كما قال تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب).