تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلنا: سلمنا ولكنا لم نذهب إلى هذا المعنى الخاص لأقسام القرآن إلا بدلالة القرآن من وجوه كثيرة. ودونك بيانها:

الأول: ما علمنا من سنة القرآن من استعماله بعض الكلمات مرة للعبد وأخرى لله تعالى. وحينئذ يميز بين وجوهها، حتى لا يكون مخالفاً لجلالة ربنا جلت عظمته، مثل كلمة الصلاة فإنها الدعاء من العبد والرحمة من الله تعالى. وكلمة الشكر فإنها من العبد الاعتراف بالنعمة، ومن الله تعالى قبوله الحسنات من عبده.

وهكذا التوبة، والسخط، والمكر، والكيد، والأسف، والحسرة وغيرها. بل ما من كلمة إلا يميز بين وجوه معانيها إذا استعملت لله تعالى. ويؤخذ بأحسنها ويترك ما لا يليق بذاته المقدسة. وقد علمنا الوجوه الكثيرة للقسم، فحملناه على وجه يليق بجلالة ربنا، وأخذنا بما هو (خير وأحسن تأويلاً).

والثاني: ما تهتدي إليه من حمل النظير على النظير وتفسير الآيات بعضها ببعض. فإنك ترى القرآن يذكر الأمور الدالة تارة على أسلوب القسم بها، وأخرى على أسلوب الآية والعبرة. وكلها إشهاد لمن يتفكر فيها. قال تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون).

ومثل هذا كثير. فيذكر الله تعالى آياته ويحتج بها.

ثم ترى هذه الآيات أشهد بها القرآن على أسلوب القسم، فأشهد بالسماء والأرض والشمس والقمر، والليل والنهار، والفجر والضحى، والريح والسحاب، والجبال، والبحر والبلد، والإنسان والوالد والولد، والذكر والأنثى، والشفع والوتر. فكونها آيات دالة له نظير، ولا سبيل إلى إرادة تعظيمها.

والثالث: ما يدلك عليه نفس المقسم به. فإن العاقل لا يتوهم أن الله تعالى يضع مخلوقاته موضع المعبود المقدس، لا سيما الذي ليس له كبير تقدس كالخيل العادية والريح الذارية، وقد صرح القرآن بكون هاتيك المقسم بها من السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وغيرها مسخرة مدللة طائعة. ففي نفس القسم بها دلالة على أن المراد محض الإشهاد بها.

والرابع: ما ترى من المناسبة الظاهرة بين المقسم به والمقسم عليه. فإن القرآن وضع أكثر هذه الأقسام بحيث لا يخفى على العاقل جهة دلالتها على ما أقسم عليه. ولذلك ترى صاحب التفسير الكبير - رحمه الله - مع ظنه بأن القسم للتعظيم، وتكلفه لبيان فضائل التين والزيتون - لم تخف عليه جهة عامة في دلالة الأقسام التي جاءت في أول سورة الذاريات فقال: (إنها كلها دلائل أخرجها في صورة الأيمان). ولو تأمل في سائر أقسام القرآن التي جاءت على وجه الاستدلال لاختار هذا التأويل في جميعها.

والخامس: ما ترى من تعميم المقسم به على طريق تعميم الآيات الدالة، كما قال تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون) فلم يترك شيئاً إلا وقد أقسم به، كما قال: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) فلم يترك شيئاً إلا وقد أنطقه بحمده وأشهده بمجده. ويشبه هذا التعميم استعمال المتقابلين حيث أقسم بالليل والنهار والأرض والسماء. فكيف يظن أن الله عَظَّمَ كل شيء؟ والسبيل إلى جعله آية دالة ظاهر فلا يصار إلا إليه.

والسادس: ما يتبع المقسم به من التنبيه على كون المقسم به دليلاً للعقلاء. كما قال تعالى: (والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر* والليل إذا يسر * هل في ذلك قسم لذي حجر).

فهذه الجملة الأخيرة مثل ما تجد كثيراً في القرآن بعد ذكر الدلائل كما جاء في سورة النحل: (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) أو كما جاء في سورة طه: (إن في ذلك لآيات لأولي النهى) أو كما جاء في سورة آل عمران: (إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار) وهذا كثير. فهكذا هاهنا بعد ذكر الأقسام نبه على كونها دلائل لذي عقل وبصيرة.

إمعان في أقسام القرآن · الصفحة ١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إمعان في أقسام القرآنص ١٥