تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(11)

القسم على وجه الاستدلال بالمقسم به

قد تبين مما ذكرنا أنهم كانوا يقسمون بالشهادة من أنفسهم أو بالشهادة بالله تعالى. وإذ كانت الشهادة بالله أكبر الشهادات، كثر القسم بها، ولذلك ظن من قل التفاته إلى أساليب الكلام وفنون بلاغته أن الإشهاد لا يكون إلا بالمعبود وعلى جهة التعظيم.

ولكنك إذا سرحت النظر في كلام العرب وغيرهم وجدت أنهم ربما أشهدوا بأشياء لم يعبدوها ولا عظموها. وإنما أرادوا الاستدلال بجعل المقسم به شاهداً على أقوالهم. بل ربما تجمع جهة الاستدلال بالأقسام الدينية أيضاً. وسيأتيك ذكره في الفصل الخامس عشر.

وأما هاهنا فإنما نذكر أمثلة القسم الاستدلالي ونوضح مفهومه. فمنها ما قال أبو العريان الطائي يمدح حاتماً الجواد:

قد علموا والقدور تعلمه ومستهل الغرار مطرد

أن ليس عند اعترار طارقها لديك إلا استلالها مدد

ومنها ما قال الراعي:

إن السماء وإن الريح شاهدة والأرض تشهد والأيام والبلد

لقد جزيت بني بدر ببغيهم يوم الهباءة يوماً ما له قود

ومنها ما قال النابغة الذبياني:

والخيل تعلم أنا في تجاولنا ... عند الطعان أولو بأس وإنعام

ومنها قول عنترة:

والخيل تعلم والفوارس أنني فرقت جمعهم بطعنة فيصل

فقد رأيت في هذه الأمثلة أنهم أشهدوا بالقدور، والمدية، والسماء والريح، والأرض، والأيام، والبلد، والخيل، والفوارس. وليس المراد إلا أنك لو سألتهن ونطقن لشهدن على دعوانا.

ومن هذا الأسلوب ما قال الفضل بن عيسى بن أبان في وعظه: (سل الأرض، فقل: من شق أنهارك وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حواراً، أجابتك اعتباراً).

ولعل هذا الكلام مأخوذ من صحف أيوب عليه السلام، قال ص 12 عدد 7 - 10: (فاسأل البهائم فتعلمك، وطيور السماء فتخبرك، أو كلم الأرض فتجيبك، ويحثك سمك البحر. من لا يعلم من كل هؤلاء أن يد الرب صنعت هذا. الذي بيده نفس كل حي وروح كل إنسي).

ومثل هذا ما جاء في صحف موسى عليه السلام سفر التثنية ص 30 عدد 19: (أشهد عليكم السماء والأرض قد جعلت قدامك الحياة والموت، والبركة واللعنة، فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك).

فأراد بهذا الإشهاد أن عهدي هذا بكم لا يؤخذ سراً بل نجعله مشهوداً ومشتهراً، فإن نقضتموه لزمكم عاره دائماً أبداً. فمتى ما أظلتكم السماء وأقلتكم الغبراء جاءتكم اللعنة والعذاب من فوقكم وتحتكم. فضرب السماء والأرض مثلاً لدوام ولزوم ذلة النقض، فكأنه عليه السلام أقام عليهم شاهدين لا يفلتون منهما أبداً وآيتين لا تغربان عنهم.

ومما يجلو الشبهة عن القسم الذي يشهد فيه بما ينطق بلسان الحال أنهم كما أشهدوه بكلمة (يشهد) و (يعلم) أو ما يشبههما، فكذلك أشهدوه بكلمات خصت بالقسم، أو نصت له مثل: واو القسم (لعمري) أو ما يشابههما.

فإن لم يطمئن قلبك بالأمثلة السابقة، فدونك أقسام صريحة بأمور ناطقة بلسان الحال. فمنها قول عروة بن مرة الهذلي:

وقال أبو أمامة يال بكر ... فقلتُ: وَمَرْخَةٍ دعوى كبير

يستهزئ الشاعر بأبي أمامة على استغاثته بقبيلة بكر. فقال:

هذه دعوى كبيرة، أي ما أصغر من يدعوه لنصره!! فأقسم بشجرة صغيرة لا تؤوي من يلوذ بها، وضربها مثلاً لأضعف الأشياء ملاذاً، ويتضح هذا المعنى مما قال أبو جندب الهذلي:

وكنت إذا جار دعا لمضوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري

فلا تحسبن جاري لدى ضل مرخة ... ولا تحسبنه فقع قاع بقرقر

ومنها قسم الهجرس حين قتل جساساً قاتل أبيه، فقال:

(وفرسي وأذنيه، ورمحي ونصليه، وسيفي وغراريه، لا يترك الرجل قاتل أبيه، وهو ينظر إليه).

فأقسم بهذه الأشياء استدلالاً بها، كأنه قال: فكيف أترك قاتل أبي؟ وأنا قادر على الكر والفر والطعن والضرب.

فذكر في قسمه ما يصدق دعواه، ويستدل بها على وجوب ما أراد به، ومنها قسم طرفة:

وقربة ذي القربى وجدك إنني متى يك أمر للنكيثة أشهد

إمعان في أقسام القرآن · الصفحة ١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إمعان في أقسام القرآنص ١٢