تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أراد أنه كيف لا يشهد مجلس ذوي القربى إذا اجتمعوا لأمر كبير، ولا يراعي منزلة الرحم، وهي عظيمة عندهم، وكانوا ينشدون بالله والرحم، فأقسم بها استدلالاً على لزوم مشهده. ومنها قول الحصين بن حماد يرثي نعيم بن الحارث خليله:

قتلنا خمسة ورموا نعيما ... وكان القتل للفتيان زينا

لعمر الباكيات على نعيم لقد جلت رزيته علينا

فلم يقسم بالباكيات إلا لأن حالهن يشهد على جلالة هذه الرزية، وهذا النوع من القسم، وإن لم يكثر في كلامهم لدقة مذهبه، ولغلبة أقسام أخرى ولكنه طريق واضح، وأسلوب خاص، يجمع ابواباً من البلاغة، كما سيأتيك بيانها في الفصل السابع عشر؟ ويوجد في العرب والعجم وندلك على عمومه بإيراد بعض الأمثلة من كلام اليونانيين.

(12)

القسم على وجه الاستدلال

في كلام ديماسثنس أعظم بلغاء يونان

كانت اليونان في أول أمرهم على حرية كاملة، لم يملكهم ملك، بل يدور أمرهم على الجمهورية، حتى نشأ فيهم فيلبوس أبو إسكندر الأعظم. فتملك عليهم. ولكن لم يستقر حكمه إلا بعد مشاجرات بالجمهور. وكان يحرضهم عليها أعظم خطبائهم ديماسثنس الشهير. فلما هزمهم فيلبوس قام هذا الخطيب على أهل أثينة وهي عاصمة بلادهم، وألقى عليهم خطبته الطنانة يسليهم على هزيمتهم ويمدحهم على إلقاء نفوسهم إلى الهلاك لإبقاء حريتهم، وكان خطيب آخر يسمى أسكنس يمنعهم عن مخالفة الملك، فقال ديماسثنس راداً على أسكنس ومادحاً أهل أثينة.

(أيها الأثينيون إنكم لم تكونوا على الباطل حين خاطرتم بنفوسكم في القتال عن حرية يونان وسلامتها، وفي ذلك لكم أسوة في أسلافكم، فإنهم لم يكونوا على الباطل: الذين قاتلوا على مراثن، الذين قاتلوا على سلامس، الذين قاتلوا على فلاطي. إنكم لم تكونوا على الباطل. كلا، لم تكونوا. أقسم بالذين خاطروا بنفوسهم على معركة مراثن، الذين من أسلافكم ألقوا بنفوسهم إلى الهلاك على ميدان مراثن، الذين كانوا في الحرب البحرية عند سلامس وأرطميسيم، والذين كافحوا الأعداء على فلاطى. فيا أسكنس إن أهل البلد لم يكرموا الفائزين منهم فقط، بل أكرموهم أجمعين بإكرام جنازتهم إكراماً جمهورياً).

يعني لم يكرموهم على فوزهم بل على محاماتهم واستمتاتتهم للحرية، فكذلك أنتم وإن لم تفوزوا فقد بذلتم نفوسكم للدفاع عن الحرية.

فانظر في هذا القسم، كيف مثل أسلافهم وفعالهم بين أيديهم ليملأ قلوبهم بالفخار المسلم عندهم، فضرب لهم مثلاً، وجعل حسن مساعيهم شاهداً على حسن مسعاة المخاطبين. وأخرج الكلام مخرج القسم الذي بني على التأكيد.

واشتهر هذا القسم لبلاغته، واستجاده السلف والخلف من الناقدين. ولكن أرى المتأخرين منهم أخطأوا كما أخطأ علماؤنا. فإن لا نجنوس اليوناني الذي نشأ بعد ستمائة من ديماسثنس، وكان معلماً للبلاغة في أثينة، ومشهوراً بغزارة العلم في زمانه، ذكر هذا القسم في كتابه على البلاغة، وقال فيه: إن حسنه في غاية تعظيم المقسم بهم، فإن ديماسثنس جعلهم بمنزلة الآلهة. وأنكر على من قال إن هذا الأسلوب مأخوذ من قول الشاعر يوبولس الذي أقسم بإكليله.

وإني أذكر قسم يوبولس أيضاً ليكون مثالاً ثانياً، ولتعلم أن الرأي الذي أنكره ... لا نجوس هو الرأي القويم.

(13)

القسم على وجه الاستدلال

في كلام يوبولس الشاعر اليوناني

كان من سنن يونان في زمان حريتهم أنه إذا فعل أحد منهم أمراً عظيماً نافعاً لهم عصبوا برأسه إكليلاً تشريفاً لقدره واعترافاً بحقه. وكان الشاعر يوبولس نال منهم هذا الإكرام في حرب مراثن لما أبلى بلاء حسناً.

ثم بعد ذلك اتهمه بعض حساده بأنه ساخط بالقوم، ليزرع بهذه التهمة بغضه في قلوبهم. فأزاح يوبولس هذا الظن عن نفسه بقول ترجمته:

لا وإكليلي الذي نلت لدى مراثنا

لا يراني شامت أضمر سخطاً كامنا

فأقسم بإكليله الذي ناله من أيدي قومه استدلالاً على عدم سخطه بهم كأنه قال: كيف أسخط على قومي بعد أن أكرموني بهذا العز.

إمعان في أقسام القرآن · الصفحة ١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إمعان في أقسام القرآنص ١٣