تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال أيضاً:

إني حلفت برب الراقصات وما أضحى بمكة من حجب وأستار

وبالهدي إذا احمرت مذارعها ... في يوم نسك وتشريق وتنحار

فترى مما ذكرنا أنهم إذا اجتهدوا بالقسم حلفوا بالكعبة ومشاعر الحج. وبذلك جاء التصريح منهم، قال حسان بن ثابت الأنصاري فيما قال قبل إسلامه:

إني ورب المخيسات وما يقطعن من كل سربخ جدد

والبدن قد قربت لمنحرها حلفة بر اليمين مجتهد

وقال عارق الطائي:

فأقسمت جهداً بالمنازل من منى وما سحقت فيه المقادم والقمل

وبقي بعد ذلك في الإسلام. قال الفرزدق:

ألم ترني عاهدت ربي وإنني لبين رتاج قائماً ومقام

على حلفة لا أشتم الدهر مسملاً ولا خارجا من في زرو كلام

وقال الحطيئة:

لعمر الراقصات بكل فج ... من الركبان موعدها مناها

فتلك جل أقسامهم الدينية، ولا يخفى عليك أنهم لم يريدوا بها إلا إشهاد الإله المعبود الذي جعلوه شاهداً، وبذلك جعلوه وكيلاً وكفيلاً على العقود. ومرادهم أنهم إن كذبوا بعد ذلك أسخطوا الله، كما صرح به النابغة في أبيات مرت في هذا الفصل.

وأما مراد الصلحاء من إشهاد الله تعالى فليس إلا اعتمادهم وتوكلهم على ربهم، وإظهار جدهم في شهاداتهم، كما سترى في أمثلة تجدها في آخر هذا الفصل.

وإنما ذكرت العرب في أيمانهم الكعبة والنحر عندها ومسحها تأكيداً لمعنى الإشهاد وإشارة إلى طريق قسمهم بالإله عند بيته. ولذلك ترى زهيراً يسمي المنحر (مقسمة) وأنه هناك تجمع أيماننا. وإذا كان القسم بمحض اسم الرب عاماً، لا ينتبه له بينوه بذكر أصله، وصوروه ببيان شكله، ليكون أوقع في القلب.

وهذا المراد الذي فهمنا من أحوالهم وأشعارهم يؤيده تصريحهم بإشهاد الله تعالى في أيمانهم. فيقولون: (والله شهيد)، (والله يعلم) أو ما يشبهه، كما قال عمرو بن معد يكرب:

الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسي بأشقر مزبد

وقال الحارث بن عباد:

لم أكن من جناتها علم الله ... وإني بحرها اليوم صال

أو كما صرح النابغة الذبياني في ذكر قصة الحية وحليفها الذي لدغت ابنه فمات، ثم صالحته على أن تعطيه دية ابنه. فلما كاد الرجل أن يستوفي الدية هم بقتلها، ولكن وقاها الله ضربته، فحينئذ دعاها للعهد مرة أخرى. فذلك يذكر النابغة بقوله:

فقال: تعالي نجعل الله بيننا على ما لنا أو تنجزي لي آخره

فقالت يمين الله أفعل إنني رأيتك مسحوراً يمينك فاجره

أو كما صرح به النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبة البلاغ، فقال بعد ما بلغهم عوازم الأمور: (ألا هل بلغت اللهم اشهد). فجعل الرب شاهداً على ما عاهدهم به.

أو كما قال حين رجع إليه ابن اللتبية الأزدي، وقد استعمله على الصدقة، وأخذ الهدايا، فأسخط النبي - صلى الله عليه وسلم -. فبعد ما أخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبعات الغلول رفع عليه السلام يديه إلى السماء، وقال: (اللهم هل بلغت) ثلاث مرات. فهذا رفع اليد كان لإشهاد الله تعالى على ما قال. كأنه قال: اللهم اشهد.

وهكذا نرى إشهاد الله برفع اليد إلى السماء في قصة إبراهيم عليه السلام. جاء في سفر التكوين ص 14 عدد 22:

(فقال إبرام (إبراهيم) لملك سدوم رفعت يدي إلى الرب الإله العلي مالك السماء والأرض، 23 لا آخذن لا خيطاً ولا شراك نعل، ولا من كل ما هو لك).

أي أقسمت بالله على ذلك وأشهدته وعاهدته.

ورفع اليد في الصلاة للعهد والشهادة وتفصيل ذلك في كتاب (أصول الشرائع).

أو كما صرح به القرآن في غير موضع. وقد مر أمثلته في الفصل الثامن.

وجملة الكلام أن الأيمان الدينية أيضاً أصلها الإشهاد. وإنما اختلط بها معنى التعظيم من جهة المقسم به، لامن جهة محض الإشهاد الذي هو أظهر معنى القسم بالشيء.

ويتضح هذا الأمر من نوع آخر من أقسامهم التي أشهدوا فيها بالمقسم به على وجه الاستدلال لا غير. وهو مسلك لطيف من البلاغة. ونذكره في الفصول الآتية.

إمعان في أقسام القرآن · الصفحة ١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إمعان في أقسام القرآنص ١١