ثم بدأت الطواف، وهو صلاة أباح الله فيها الكلام، فعلى المرء أن يكون طاهرا كما لو كان مقبلا على الصلاة.
بدأت الطواف قائلا: «اللهم إني نويت طواف بيتك المعظم سبعة أشواط طواف العمرة، فيسره لي وتقبله مني.» ثم دعوت: «بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد
صلى الله عليه وسلم .» فلما بلغت مقام إبراهيم عليه السلام استأنفت الدعاء قائلا: «اللهم إن بيتك عظيم، ووجهك كريم، وأنت أرحم الراحمين، فأعذني من النار ومن أهوالها، وحرم لحمي ودمي عليها، وآمني من كروب يوم القيامة، واكفني مئونة الدنيا والآخرة، واحفظني من الوسواس الخناس.»
ولما بلغت الركن العراقي قلت: «اللهم أعوذ بك من الشرك والشك والكفر، والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد، اللهم اسقني بكأس محمد
صلى الله عليه وسلم
شربة لا أظمأ بعدها أبدا.»
فلما بلغت الركن الشامي دعوت: «اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا.» فلما بلغت الركن اليماني دعوت: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر ومن الفقر، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.»
فلما بلغت الحجر الأسود دعوت: «اللهم اغفر لي برحمتك، وأعوذ برب هذا الحجر من الدين والفقر، وضيق الصدر، وعذاب القبر.» وأشرت إلى الحجر كما فعلت في الشوط الأول، ثم قبلت العود الذي في يدي لعدم استطاعتي تقبيل الحجر لكثرة الازدحام حوله، ومن ثم كبرت ثلاثا، وعدت إلى الطواف، وكررت الأدعية السابقة حتى أتممت طواف السبعة الأشواط.
ومن الناس من يعتقد أن لكل شوط من الأشواط السبعة دعاء خاصا، وهذا خطأ، وفضلا عن ذلك فإن خير الأدعية ما كان فطريا دون تنسيق، فيدعو المرء بما في نفسه وبما في ضميره دون أن يتقيد بدعاء ما.
ولما انتهيت من طوافي صليت ركعتين في مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام، ثم انتقلت إلى حجر إسماعيل، فصليت مثلهما، وخرجت من باب الصفا، ورقيت درجاته ناويا السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، قائلا: «اللهم إني نويت السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، فيسره لي وتقبله مني.» ثم رددت الآية الشريفة التالية وهي:
إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ، ثم دعوت: «الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله على ما هدانا، الحمد لله بمحامده كلها على جميع نعمه كلها، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.»
فلما بلغت زاوية مبنى المسجد الحرام هرولت في مشيتي عند العلمين، ودعوت: «رب اغفر وارحم وتكرم، وتجاوز عما تعلم، إنك تعلم ما لا نعلم، سبحانك إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.» وأخذت في ترديد هذه الآية وغيرها إلى أن وصلت إلى المروة، فصعدت على درجاتها، وهناك وليت وجهي شطر الصفا، ثم تلوت الآية الشريفة:
إن الصفا والمروة من شعائر الله ...
الآية، وأخذت أردد الأدعية التي تلوتها في الشوط الأول حتى أتممت السعي سبعة أشواط.
والآن وقد انتهيت من الطواف والسعي، فلأتحلل من العمرة، فابتعت طليا وذبحته وتصدقت بلحمه، لتنعمي بارتداء ملابسي، وتحللي من قيود العمرة إلى يوم الحج، ثم يممت نحو الحلاق؛ حيث قصصت بعض شعرات من رأسي، ومن ثم ارتديت ملابسي العادية.
وعلى المعتمر أن يتذكر كم شعرة سقطت من جسمه وقت الاعتمار، فلربما يكون قد حك جلده فينتج عن ذلك سقوط بعض شعر جسمه، فجزاء سقوط الشعرة الواحدة أن يوزع على المساكين ما قيمته قدح ونصف من طعام أهل البلد؛ قمحا أو شعيرا.