ولا ريب في أن لمناسك الحج حكما وعبرا، فإذا كنا قد قدمنا بالشرح والبيان الحكمة في العمرة والعبرة منها، وذكرنا الحكمة في ذبح الطلي بعد التحلل من هذه العمرة، فإننا ولا ريب لن نغفل الإتيان في هذا المقام بوصف الحكمة في الطواف والعبرة منه كذلك، ثم الحكمة في السعي، والعبرة المستمدة منه أيضا.
الحكمة في الطواف
في الطواف توجه لقلوب الحجيج الخاشعة إلى الله العلي العظيم في وقت واحد، ولغاية قدسية واحدة، وفي الطواف تذكير وتمجيد لعمل إبراهيم عليه السلام، وهو تحطيم الأصنام والقضاء على الوثنية، إشهارا لوحدانية الخلاق العظيم.
وفي الطواف تذكير بقدرة الله، ورحمة الله، ولطف الله.
في الطواف تذكير بخالق الكون، رافع السماوات، باسط الأرضين، مفجر البحار، موطد الجبال، ناشر الريح، وهو على كل شيء قدير.
في الطواف تذكير بلطف الله الذي يلهم عباده الصابرين الجلد على المكاره، واحتمال النوازل والأرزاء والشدائد.
في الطواف، أولا وأخيرا، الاستعاذة بالله من شرور الشيطان الدافع على ارتكاب الخطايا والآثام، ثم الابتهال إليه بقبول التوبة والمغفرة، وهو الغفور الرحيم.
لقد شيدت هذه الكعبة الشريفة التي يطوف حولها الحجيج في بيت الله الحرام بأمر من الله إلى الملائكة، فقد استكثروا على الخالق الأعظم خلقه خلقا في الأرض هو آدم، وراجعوا ربهم قائلين:
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ...
الآية.
وغضبت العزة الإلهية على الملائكة، فعاذوا بعرشه طائفين سبعة أشواط، وهكذا اقتضت إرادة الخلاق بناء البيت ليتعوذ به من سخط المولى عليهم، كما تعوذ الملائكة بعرشه حينما سخط عليهم.
وإذن فقد أدركنا الحكمة في الطواف والعبر التي نستمدها منه.
الحكمة في السعي
أما الحكمة في السعي والعبرة المستمدة منه، فأولاها التذكير بحكمة الله في تعمير مكة بنسل إبراهيم، ثم من بعده ذرية إسماعيل عليهما السلام.
فقد حل إبراهيم بزوجه هاجر ورضيعها إسماعيل أرض مكة بأمر من الله.
وكأني بإبراهيم وهاجر ورضيعهما إسماعيل وقوفا في تيه جبال مكة، يقلب الوالد الزوج الطرف بين ولده وزوجه، ويرفع عينيه إلى السماء وقد كبت شعوره، وكاد أن يكتم أنفاسه حتى لا يدل جيشانها على مكنون قلبه من عواطف جياشة يريد أن تكون طي الكتمان.
وتفطن هاجر إلى أنه لا بد من أن يكون إبراهيم قد اعتزم أمرا، وإبراهيم ما زال في تردده وتفكيره، يسائل النفس كيف يترك هذه المرأة التي لا حول لها ولا قوة، ولا زاد عندها إلا بضع كسرات من الخبز، ولا ماء لديها إلا بضع قطرات من السقيا! كيف يترك هذه الأم ورضيعها في هذه الجبال الموحشة، وبين هاته الوهاد الغائرة، لا تسمع صوتا يؤنسها، ولا ترى حولها ما يدخل الطمأنينة على قلبها! كيف يترك هذه الزوج، لعمر الحق، على هذه الحال؟ ولكن هو أمر الله، وكيف يعصي إبراهيم أمر الله؟
ويتحول إبراهيم عن ولده وزوجه، فتحاول هاجر أن تتعلق به، متسائلة: إلى أين أنت ذاهب وتاركنا يا إبراهيم؟
فيقول إبراهيم: إني سأعود.
وتقول هاجر: وهل هذه إرادة الله؟
فيجيبها إبراهيم: أجل، إنها إرادة الله.
فيذهب الفزع عن قلبها، ويعود الأمل إلى نفسها، فتقول: إذن، فلن يضيعنا الله.
ويسير إبراهيم دون أن يلتفت إلى ولده وزوجه، حتى إذا غيبه أحد أركان البيت العتيق عاوده حنان الوالد وعطف الزوج، فيقف وقفة الوداع، داعيا الله مبتهلا إليه:
ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون .
ولا يكاد يمضي يوم وليلة حتى تنفد كسرات الخبز، وتنضب قطرات الماء، فتمسي هاجر ورضيعها يتلويان من الجوع بعد إذ نضب اللبن من ثدييها، فتهب فزعة قلقة على حياة الرضيع، وتقصد إلى جبل الصفا لعلها تجد عنده أو وراءه من يغيثها بالزاد والماء، وتتلفت يمنة ويسرة، وإلى الأمام والخلف، ولكنها لا تجد إنسا ولا شيئا.