صلى الله عليه وسلم
عندها من دخول «مكة» للحج، وقد كان في استطاعته - والله ناصره ومؤيده في جميع خطواته - أن يتغلب على قريش ويدخلها عنوة وعلى الرغم منهم، ولكنه أراد أن يسن
صلى الله عليه وسلم
سنة التفاهم والمفاوضات الودية في حل النزاع قبل أن يحكم السيف؛ ولذلك عاد - عليه الصلاة والسلام - من الحديبية، ولم تبطل عمرته؛ إذ حملت الريح شعره وشعر صحابته الأجلاء وألقته في الحرم، وقد وفد الرسول
صلى الله عليه وسلم
عثمان بن عفان رضي الله عنه للمفاوضة مع قريش، وانتهى النزاع حتى كان فتح «مكة» لانتقاض قريش على العهود والمواثيق.
ووصلنا إلى الأعلام، وهي الحد الفاصل بين الأرض الحرام والأرض الأخرى.
والأرض الحرام أرض مقدسة، يشعر فيها المرء بالأمن والسلام حال دخوله إليها، كما يشعر بالطمأنينة تفيض على جميع مشاعره، والراحة تغمر نفسه. وليس عند الأعلام حواجز تفصل ما بين الأرض الحرام والأرض الأخرى، ولكنك تشعر بشعور الطمأنينة والأمن والراحة لأول خطوة تخطوها في الأرض الحرام، فتعلم حينئذ أنك بلغتها وأنك فيها، وأنه إلهام من الله. وإنه لشعور روحي إلهي يملأ قلبك حين تدب على هذه الأرض الطاهرة.
وما كدت أخطو خطوة، أو على الأصح: ما كادت السيارة تخطو خطوة بعد الأعلام حتى رددت الدعاء التالي، وهو خير دعاء يتلى بين الأرض الحرام والأرض الأخرى: «اللهم هذا حرمك، فحرم لحمي ودمي وشعري وبشري على النار، وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك.»
الباب الثاني
| في مكة المكرمة
دخلنا مكة المكرمة مع التلبية والتكبير، وبشعور فياض جل أن يوصف، ثم ما كدت أتطلع إلى مبنى البيت العتيق في خشوع حتى رددت هذا الدعاء التالي: «لا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، ودارك دار السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إن هذا بيتك عظمته وكرمته وشرفته، اللهم زده تعظيما وزده تشريفا وتكريما، وزده مهابة، وزد من حجه برا وكرامة، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وأدخلني جنتك، وأعذني من الشيطان الرجيم.»
واقتربت من «البيت الحرام» فإذا بي أشعر بدموعي تنهمر انهمارا، وبقلبي يخفق خفقات، وأسمع لفؤادي وجيبا، ولكن مع راحة وطمأنينة هي بلسم النفس والروح، وصرت على بعد من المسجد، فأخذت أدعو الدعاء التالي، وهو: «الحمد لله، والسلام على عباده الذين اصطفى، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، وعلى إبراهيم خليلك، وعلى جميع أنبيائك ورسلك.»
ثم لم أشعر إلا وقد اندفعت اندفاعا إلى الداخل على الرغم من شدة ازدحام الحجيج، وما كدت أدخل من باب السلام حتى تلوت الدعاء التالي، وهو: «بسم الله، وبالله، ومن الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله
صلى الله عليه وسلم .»
كان الزحام في الكعبة الشريفة على أشده، فإن الحجيج الذين كانت تقلهم «الطائف» و«تالودي» وكان عددهم نحو الثلاثمائة والألف، قد وصلوا إلى مكة وقصدوا «البيت الحرام» للقيام بفريضة طواف القدوم، على أنه مع الزحام وعظم عدد الطائفين وجدت الطريق أمامي ممهدا، وكانت كل حركاتي ومشاعري متجهة جميعا إلى رب هذا البيت، وقد رفعت يدي وقلت: «اللهم إني أسألك في مقام إبراهيم في أول مناسكي أن تقبل توبتي، وأن تتجاوز عن خطيئتي، وتضع عني وزري، الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام الذي جعله مثابة للناس وأمنا، وجعله مباركا وهدى للعالمين، اللهم إني عبدك، والبلد بلدك، والحرم حرمك، والبيت بيتك، جئتك أطلب رحمتك، وأسألك مسألة المضطر الخائف من عقوبتك، الراجي لرحمتك، الطالب مرضاتك.»
وقصدت إلى الحجر الأسود، وأشرت إليه بعود صغير في يدي، ثم قبلت العود، وقلت: «الله أكبر، الله أكبر، اللهم أمانتي أديتها، وميثاقي وفيته، اشهد لي بالموافاة.»