وكانت عائشة رضي الله عنها قد أهلت بعمرة، وحاضت قبل أن تدخل مكة، فأدركها يوم عرفة وهي حائض، فشكت إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فقال لها ما معناه: «دعي عمرتك وانفضي رأسك وانتشطي وأهلي بالحج» ففعلت، فلما كانت ليلة رمي الجمرات أرسل معها شقيقها عبد الرحمن إلى التنعيم، فأركبها ناقته خلفه، فأهلت بعمرة مكان عمرتها، فقضى الله حجها وعمرتها، أما المشركون فقد كانوا لا يعتمرون إلا بعد انسلاخ شهر (أي بعد صفر)، وكانوا يقولون: إذا عفا الوبر، وبدا الدبر، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر. ذلك أنهم كانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة ويهل صفر. وقد قال في هذا عبد الله بن عباس: ما اعتمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في ذي الحجة إلا ليقطع في ذلك أمر الشرك، وحتى يرى أهل الشرك أن العمرة في أشهر الحج لا جناح فيها على من أتاها. وقد سأله سراقة بن مالك: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: «دخلت العمرة في الحج، لا بل لأبد الأبد.»
ولكي نبين شروط الإحرام بالعمرة نقول: يجب على الحاج القادم من مصر القاصد توا إلى مكة المكرمة دون أن يتخلف في جدة أن يحرم في «رابغ» بعد الاغتسال والنية وصلاة ركعتين، ومن أراد التخلف في جدة فعليه أن يحرم إما من جدة أو عند الأعلام قبل دخوله مكة، (والأعلام هي الفاصلة بين الأرض الحرام والأرض الأخرى)، ومن كانت نيته التوجه أولا إلى المدينة المنورة فعليه أن يحرم بعد عودته منها في «أبيار علي».
ويعتمر الشامي من «الجحفة»، بينها وبين مكة المكرمة خمس مراحل، والنجدي من «قرن»، جبل، واليمني من «يلملم»، بلدة بعيدة عن مكة المكرمة، ومن أراد من الحجاج أن يأتي بعمرة أخرى فعليه أن يخرج من مكة المكرمة إلى ما وراء «الأعلام» أو إلى «جعرانة »، وهي مكان يبعد عن مكة المكرمة ست ساعات على ظهور الإبل، وحوالي أربعين دقيقة بالسيارات، فيخلع ملابسه ويغتسل، ويقص من شعر رأسه وأظافره إلى آخر ما وضحنا من شرائط الإحرام بالعمرة، ثم ينوي الإحرام بالعمرة ويصلي ركعتين، ثم يقدم مكة المكرمة معتمرا ويلبس غير المخيط من الثياب.
وقد اختلف الفقهاء في التوقيت الخاص بالعمرة، فمن قائل إنه من عمل الرسول
صلى الله عليه وسلم
ومن قائل إنه من عمل عمر رضي الله عنه.
وقيل إن إتيان عمرة في رمضان بمثابة حجة مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
ومن الناس من ينوي العمرة غير محرم، إما لمرض - وهذا جائز؛ لأن الدين يسر لا عسر - وإما اعتمادا على يساره وغناه، فيذبح طليين ويدخل إلى مكة المكرمة بملابسه العادية، ولكن مثوبة العمرة في الإحرام؛ لأن هذا التيسير الذي نزل به الشرع قصد به المرضى وغير القادرين على الإحرام لأعذار شرعية قهرية أخرى، أما من قدر على العمرة بالإحرام فعليه أن يؤديها.
| خاتمة
والآن ترامت إلى مسامعي تقولات ومزاعم سجلها البعض في رسائل وكتب لهم، ذاهبين فيها إلى أن العصر الجاهلي هو الذي هيأ الأمة العربية إلى ما أحرزته من مجد وسعة في السلطان في عهد الإسلام، وأن أي مصلح لو حل محل محمد لفعل ما فعله محمد!
وإنهم ليزعمون أن العصر الجاهلي هو الذي كان أساسا لنشر الإسلام وسيادة الإسلام!
ولكن فاتهم - إن لم نقل إنهم يعلمون ويتجاهلون - أن الإسلام جاء بكل ما ينقض العصر الجاهلي من أساسه، كان العصر الجاهلي عصرا تسوده الأرستقراطية؛ إذ كانت فيه القبائل تفاخر بالأحساب والأنساب، فجاء الإسلام يقول:
إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وإن الكل سواسية، إخوانا متحابين، فلا كبير يغتصب حق الصغير، والصغير يحترم الكبير، وما إلى هذا من خير المبادئ الاجتماعية.
كان العصر الجاهلي عصر رق وعبودية، فإذا بالإسلام يجيء لينظم تحرير الرق ويرغب فيه، واعدا من فك رقبة بدخول الجنة.