تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد مسير أربع وعشرين ساعة أو أكثر دخلنا جدة، فعلمت أن الباخرة ستقوم بعد يومين.

وحين كنا في السيارة في طريق العودة من المدينة إلى جدة، قام النقاش ودار الجدل على أشده بين جماعة من الشيوخ حول بعض المسائل الدينية، وكان الشيوخ يكونون المذاهب الأربعة، فأخذ كل واحد منهم يغلب الرأي الذي يذهب إليه إلى حد العنت والعناد، فقلت: لا عجب إذا تفرقت كلمة المسلمين اليوم، وقد تعددوا مذاهب شتى، واختلفوا آراء وأغراضا. وقد كان المسلمون أيام محمد وخلفائه من بعده متحدي الكلمة، يتبعون كتاب الله وسنة الرسول، فقويت صفوفهم المتراصة، وتغلبوا على أمم المدنية الغابرة وسادوها، فهلا تمسكنا بعروة الإخاء فلا تذهب ريحنا؟

في الطور

وصلنا إلى الطور، فرأينا على رصيف الميناء صاحب العزة عبد القادر زعتر بك مدير إدارة الحج في انتظار عودة الحجاج، والحق أن الرجل يعتبر مثلا عاليا في النشاط والجد والعمل، وكل همه تيسير الحج لمن يريد أن ينعم بزيارة الأراضي المقدسة، وتسهيل وسائل هذه الزيارة، وتوفير أسباب الطمأنينة والراحة للحجيج جميعا، سواء في سفرهم أو حين عودتهم.

ويكفي أن نقدر عظم المهام التي يؤديها زعتر بك حين نذكر أن عشرات الألوف من الحجاج يسافرون من مصر في كل موسم، وأن الإقبال على الحج اشتد في السنوات الأخيرة على الرغم من ظروف الحرب، فمهام مدير إدارة الحج صارت أضعافا مضاعفة.

وليس ثمة من شك في أن زعتر بك إذا كان المصريون من الحجاج يقدرون له عظم نشاطه وخدماته الجليلة لهم، فإن الله سبحانه وتعالى يضاعف له الأجر والمثوبة؛ لأنه يخدم ضيوف الله، وأنعم به من شرف!

الباب الرابع عشر

| في العمرة

قدمنا للقارئ الحكمة في العمرة، والسر فيها، ونزيد فيما يلي بيانا عنها، فهي كفارة للذنوب، نزلت في فضلها الآيات القرآنية الكريمة، فقد قال ابن عباس: إن لها لقرينتها في كتاب الله عز وجل:

وأتموا الحج والعمرة لله ، ورويت في خيرها الأحاديث النبوية الشريف، فقد قال فيها الرسول

صلى الله عليه وسلم

عن ابن عمر: «ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة»، وعن أبي هريرة أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما.»

وعمرات الرسول أربع، وهي: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، والعمرة التي أتى بها رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في حجة الوداع.

ويلاحظ أن عمرة الحديبية لم تفسد لصد قريش رسول الله

صلى الله عليه وسلم

ومن معه عن دخول مكة، ولكنها كانت عمرة مستوفية الشروط. ومن الأقوال الصحيحة أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

ومن كانوا معه في «الحديبية» من المسلمين حين حلقوا رءوسهم للتحلل من العمرة احتملت الريح الشعر فألقته في الحرم.

ويروى عن عائشة رضي الله عنها أن كل عمرات الرسول

صلى الله عليه وسلم

كانت في ذي القعدة، إلا الأخيرة فقد كانت في شوال. وقال مجاهد: دخلت أنا وعروة بن الزبير فوجدنا ابن عمر جالسا إلى حجرة عائشة رضي الله عنها فسألناه: كم اعتمر النبي

صلى الله عليه وسلم ؟ قال: «أربعا، إحداهن في رجب»، فكرهنا أن نرد عليه، قال: وسمعنا صوت عائشة أم المؤمنين، فقال عروة: «يا أماه، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟» قالت: «ما يقول؟» قال: «يقول إن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

اعتمر أربع مرات إحداهن في رجب»، قالت: «يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط.»

ولعل عبد الله بن عمر قد نسي.

وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجت مع رسول الله

صلى الله عليه وسلم

موافين الهلال لذي الحجة، فقال رسول الله

صلى الله عليه وسلم : «من أحب أن يهل بعمرة فليهل، ومن أحب أن يهل بحجة فليهل، ولولا أني أهديت لأهللت»، فمنهم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بحجة.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٥٨