تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذكرت هذه الحقيقة في كتابي: «في بيت الله الحرام»، و«الأرض الطاهرة»، فعاب علي بعض كبار المصريين أن أجاهر بذلك لما فيه من المرارة، وهم فيما بينهم وبين أنفسهم يعترفون بصدق ما قررت، ولكنهم لا يرون الجهر به، وكم من علل وأدواء تنخر في عظامنا، ولا يمكننا معالجتها لأننا تنقصنا الشجاعة الأدبية للجهر بها!

الباب الثالث عشر

| العودة إلى الوطن

قضيت اليوم الأخير من مكثي في المدينة المنورة في «الروضة الشريفة» أصلي وأتعبد، ولكني كنت في الوقت عينه أشعر بالحزن متغلغلا في جوانحي، مستوليا على نفسي؛ لأني كنت سأغادر أطهر بقعة شريفة على وجه الأرض.

وكيف لا أحزن على مفارقة بلاد خصها الخالق جل شأنه بالطهر والأمن والسلام، كما جعلها قبلة لقاصدي وجهه الكريم، طالبي التوبة والمغفرة، الراجين في التطهر من الأرجاس والذنوب والمعاصي والمنكرات.

أجل، كيف لا أحزن على مغادرة بلاد ميزها المولى تعالى على سائر الأقطار والأمصار، بأنها تحوي أحب البقاع المطهرة إليه عز وجل؛ فبها نزل «آدم»، و«حواء» عليهما السلام والدا البشر، وفيها نشأ «إبراهيم» عليه السلام والد الذبيح «إسماعيل»، وفيها نشأ سيد الخلائق الأولين والآخرين أجمعين محمد

صلى الله عليه وسلم

وفيها نبت خير الأديان، دين الله الحق، دين الإسلام، وفيها نزل «جبريل» بالوحي، وفيها نزلت الملائكة تقاتل جنبا إلى جنب مع المؤمنين.

لم تكن قدماي لتطاوعاني على الخروج من «الروضة النبوية» الشريفة، فكنت كلما تقدمت خطوة تراجعت خطوات، كما كانت الدموع تنهمر من مآقي مدرارا، وفاض الأسى على قلبي حتى لقد شعرت بأني على وشك النحيب.

يا لها من ساعة! تلك التي كنت مضطرا فيها إلى الرحيل! شعرت في خلالها بأشد ما انتابني من الآلام مما لم أصادفه قط في حياتي إلا في العام الأسبق، وفي الحالة نفسها، أي: في الوقت الذي غادرت فيه «الروضة الشريفة» في حجتي الأولى.

غادرت «الروضة النبوية» الشريفة وأنا أردد الآية الحكيمة:

إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ، أخذت أردد هذه الآية الشريفة وأكررها وأعيدها مرات بعد مرات، متمنيا على الله السميع المجيب أن يوفقني إلى العودة إلى الأرض الطاهرة مرات بعد مرات، وكرات بعد كرات، وأن يجعل مثواي الأخير في أرض «البقيع».

خرجت من المسجد النبوي الشريف وأنا غاض البصر، مطرق الرأس خشوعا وإجلالا لصاحبه العظيم، وبعد أن استأذنت الرسول في السفر وسألت الله بجاه نبيه ألا يحرمني من تكرار الزيارة إلى أن ينتهي الأجل بإذن الله.

ولست أستطيع أن أصف للقارئ شيئا من زخرف المسجد ونقوشه، فوالله ما قصدته لوصف تفصيلاته ودقائقه، ووالله لا أدري كم عدد أبوابه، ولا أركانه وعمده؛ لأني ما تطلعت إلى شيء فيه، ولكني كنت مأخوذا بروعة «الروضة النبوية الشريفة»، وبهيبة المسجد الشريف وجلاله، وبهيبة العظيم محمد.

فالسلام عليك يا رسول الله. •••

كان الوقت قبيل الغروب حين شرعت السيارة تسير بي إلى جدة في طريق العودة إلى الوطن.

لازمني شرود الفكر مع الاكتئاب وقتا طويلا، شعرت كأنه الدهر، وكانت السيارة تطوي الصحراء طي السجل للكتب، ولم أكن شاعرا بما حولي، فقد كانت حالتي النفسية وانقباض صدري، بل حزني مانعا عني الشعور بذلك السكون الشامل المخيم على الصحراء.

كان الليل قد أرخى سدوله، ومضت ساعات قلائل منه، فتبدد بعض الظلام بأضواء ضئيلة كانت النجوم ترسلها إشعاعا.

كانت نفسي حائرة، فكنت كمن فقد قلبه بعد أن ران عليه الأسى والحزن، ولم أكن لأدري شيئا عما حولي إلا أني كنت أردد بلساني هذه الآية الشريفة التي ظللت أعيدها، وأكررها عشرات بل مئات المرات، وهي:

إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد .

أخذت السيارة بعد وقت طويل تسرع المسير، وأنا في داخلها أردد الآية، شارد الفكر.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٥٧