تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكي يدرك القراء بعض الشيء ضربا من ضروب المشاق والمصاعب التي ذللها جلالته نسوق مثلا شائعا في شبه الجزيرة، فيه طرافة وفيه تفكهة، ولكنه يشير إلى شدة عنت بعض قبائل البدو، كما يدل على عظم النجاح الذي أحرزته الحكومة العربية السعودية في إخضاع أمثال هذه القبائل.

فقد يقال إن أحد «المطوعين»؛ أي: الوعاظ، ذهب إلى قبيلة عتيبة، وأخذ يعظهم ويبين لهم أحكام الدين والشرع الشريف، مشيرا إلى أن المؤمنين المتقين الصالحين عملا هم الذين يدخلهم الله في جناته، ومن عصى أوامر الله ونواهيه فمصيره إلى جهنم، فقاطعه عتيبي قائلا: وهل في يوم الحشر عتيبة يحضرون؟ فأجابه الواعظ: كل القبائل والعشائر؛ عتيبة، وقريش، وحرب، وجهينة وغيرهم يحضرون.

فقال الأعرابي: ما بنا حاجة إلى وعظك، ما دامت عتيبة يحضرون فإننا ندخلها (أي الجنة) بالسيف.

فانظر إلى هذه العقلية وما يماثلها، وتصور يا سيدي القارئ، شدة البأس التي تخضع هؤلاء وتجعلهم يسيرون على هدي نصوص الكتاب وأحكام السنة، مما كان له أكبر الأثر، بل الأثر كله في استتباب الأمن واستقرار الأمور.

والحق أقول : إن جلالة الملك عبد العزيز مثال صالح للملوك المسلمين العدول، وهو في «ديموقراطيته» العربية الحقة، وعدله، وشدته في تنفيذ أحكام الشرع والدين لا فرق في ذلك بين كبير وصغير وحقير، وفي عطفه على الفقراء والمعوزين، وفي حزمه وبعد نظره، من الأمثلة الساطعة على تمثيله للعدل مع القوة والرحمة معا.

أما عن «ديمقراطيته» وتواضعه، فهو في ذلك أبرز عنوان، وأسمى رمز، وأعلى مثال، يخاطبه الصغير مخاطبة الند للند.

وقد شاهدت بعيني رأسي أعرابيا قزما يدخل عليه ويريد تقبيله في جبينه، فلم يستطع لقصره وطول قامة الملك، فأمسك برأس جلالته وقربها إليه قائلا: «كيف أنت يا عبد العزيز؟!»

أما عن عدله فحدث عن ذلك ولا حرج، ولأسرد للقراء قصة سيدة مكية لها دار في مكة، وكانت قد استوطنت القاهرة هي وأولادها اليتامى مدة يسيرة من الزمن، فسكن في دارها رجل نجدي، ولما أرادت العودة إلى مكة للإقامة فيها طلبت إلى النجدي أن يخلي لها الدار، ولكنه أخذ يماطل ويسوف حتى اضطرت إلى رفع شكواها إلى جلالته، فأصدر أمره إلى مدير الشرطة بإخلاء الدار، فإذا لم يذعن النجدي ألقي بأثاثه في عرض الزقاق. وهكذا اقتص جلالته من النجدي إنصافا لقضية سيدة مكية.

ديوان جلالة الملك

وديوان جلالة الملك عبد العزيز شعبتان، الأولى: خاصة بالمسائل الإدارية، وعلى رأسها صاحب السعادة الشيخ عبد الله آل عثمان، وهو من خيرة الأسر النجدية الكريمة، فضلا عن نزعته الدينية القوية، وما امتاز به من حصافة فكر، وتبحر في العلوم. والثانية: خاصة بالمسائل السياسية، وعلى رأسها صاحب السعادة الشيخ يوسف يس، الأديب المعروف، والكاتب القدير، وهو من أصدقاء المصريين ومن كبار كتاب الشرق الذين عالجوا قضاياه السياسية ردحا غير قليل من الزمن.

وبديوان النيابة العامة (ديوان سمو الأمير فيصل) موظفون أكفاء، على رأسهم شاب نابه من أنبغ الشباب وأعلاهم كعبا في الثقافة، هو الشيخ إبراهيم آل سليمان، مدير مكتب النيابة العامة، كما أنه في الوقت نفسه سكرتير خاص لسمو الأمير فيصل.

الوزارات السعودية

ووزارة المالية السعودية يتولاها حضرة صاحب المعالي: الشيخ عبد الله آل سليمان، ويقوم على وكالتها شقيقه حضرة صاحب السعادة: الشيخ حمد آل سليمان.

ويتولى الإدارة في وزارة المالية حضرة صاحب السعادة الشيخ محمد سرور الصبان، وهو من أصدقاء المصريين، ومن كبار الأدباء.

ويقوم بإدارة المكتب الخاص لوزير المالية صاحب العزة: الشيخ أحمد الموصلي، وهو من الشبان الأكفاء المهذبين المثقفين ثقافة عالية.

والحق نقول: إن وزارة المالية السعودية لا تقتصر وظيفتها على صرف رواتب موظفي الحكومة، ولكنها تتولى إدارة المهمات، فهي تصرف الأقوات والكساء، وتجهيز الدور والبيوت لكبار الضيوف وعظمائهم، وتتولى الإشراف على وجوه البر والخير فضلا عن مشروعات الإصلاح الواسعة التي يتطلبها تطور الزمن، أضف إلى هذا حركة انتقالات الحجاج، وما تتطلبه حياتهم ثلاثة شهور متتابعة، وهي مهمة من أشق المهام.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٥٤