تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سلك الموظفين بالحكومة العربية السعودية موظفون من المصريين، نذكر منهم حضرتي الشابين الناهضين الأديبين: الشيخ إبراهيم الشورى مدير مصلحة النشر والدعاية للحج، والشيخ عبد السلام غالي، وهو مدير قسم الضيافة بوزارة الخارجية، وكلاهما مثال مشرف للموظفين المصريين، والأول من خريجي دار العلوم لعشرين عاما خلت، وآثر خدمة مكة ومحارمها المقدسة.

الوزراء المفوضون

وللحكومة العربية السعودية وزراء مفوضون نابهون، لدى الممالك الأجنبية.

وعلى كل بلد وميناء تقيم الحكومة قائمقام يصرف الأمور باسم جلالة الملك عبد العزيز، وفي مقدمتهم صاحب السعادة الشيخ إبراهيم بن معمر، محافظ جدة، ومدير الإدارة المالية في جدة، هو صاحب العزة الشيخ ناصر بن عقيل، وهو من ذوي الخبرة والعلم.

الشباب الحجازي

ولقد نبتت في الجزيرة العربية في هذا العصر الحالي أول حركة علمية مزدهرة تبشر بمستقبل باهر، قوامه أولئك الشباب المثقفون الذين لا نستطيع أن نصف صفاء أذهانهم أكثر من وصف المغفور له شوقي بك للشباب المصري منذ ربع قرن؛ إذ قال ما معناه: إن صفاء تفكيرهم يحاكي صفاء الماء تحت ألفاف الغاب.

ولا غرابة أن يكون حفدة أحفاد رجال الجزيرة العربية أهل البلاغة والفصاحة والعلوم والعرفان قد وصلوا إلى هذا الحد من المستوى الأدبي العالي، والمكان العلمي الرفيع. وإذا كان العربي البدوي الذي لم ينل قسطا من الثقافة ولم يحرز نصيبا من مبادئ العلوم الأولية، إذا كان البدوي الجاهل أفصح بكثير من المتعلمين المثقفين في بعض الأقطار الشرقية، فكيف يكون إذن حال شباب الجزيرة العربية المثقفين المتعلمين اليوم من غزارة العلم وتدفق مناهل الأدب. •••

وكان أهل الحجاز - وقت وصولي إلى مكة - يرقبون قدوم باقي أفواج الحجاج المصريين بفارغ الصبر؛ لأن المصريين يحدثون انتعاشا عظيما في الأسواق أكثر من غيرهم من حجاج الأمم الأخرى.

ولا يقتصر الحال على الأسواق وانتعاشها بحضور المصريين، ولكن هناك انسجاما ملموسا بين الحجازيين والمصريين؛ لاتفاق اللغة وتقارب الطباع والعادات والأخلاق، على عكس إخواننا المسلمين من الجنسيات الأخرى، فإنهم مختلفو اللغات، كما هم متباينو الأزياء والعادات.

أهل جاوة

ولقد حزنت كثيرا على عدم حضور الجاويين الذين كانوا يفدون على بلاد الحجاز بعشرات الألوف، فكان عددهم لا يقل سنويا عن ثلاثين ألف حاج، يمكث أغلبهم في بلاد الحجاز ثمانية شهور أو أكثر.

ومن طريف ما يروى عن إخواننا الجاويين أنهم إذا حضروا إلى الحجاز أبدلوا أسماءهم المعروفين بها في بلادهم بأسماء عربية إسلامية. وهناك في الحجاز طائفة اعتمدتها الحكومة مهمتها أن تخلع الأسماء العربية على الجاويين.

والجاويون شوافع يؤدون فرائض دينهم على المذهب الشافعي، وإني أذكر بهذه المناسبة أن فئة قليلة منهم تخلفت في العام الماضي في مكة، رأيتها تتهافت على اقتناء كتبي (في بيت الله الحرام)؛ ظنا منهم أن مؤلف الكتاب من شيوخ الشافعية.

ويتعاون الجاويون فيما بينهم على تأدية فريضة الحج، ولهم تقاليد خاصة بهم؛ فإن الجاوي حين يعتزم الحج يدخر كل ما تملك يداه داخل عود من الغاب، حتى إذا حان موعد السفر أقام مأدبة ودعا إليها أهل بلده، ثم يقف فيهم معلنا عزمه على الحج، فيباركون فكرته، ويكتبون له فيما بينهم بنفقاته التي تلزمه أثناء مكثه في بلاد الحجاز. ولا ننسى أن نذكر أن الجاوي صاحب الوليمة الراغب في الحج يكون قد أنفق كل ما ادخر في غابه على الوليمة، وبينا يكتتب المدعوون بكل ما يتيسر لهم يثبتون المبالغ المكتتب بها، حتى تكون بمثابة دين يوفيه الحاج بعد عودته في المناسبات التي يعلن فيها إخوانه المكتتبون عن عزمهم على الحج أيضا.

وتظهر على الجاوي بصفة خاصة سيما الخنوع، ويبدو أن طول أمد الاستعمار قد أثر عليه حتى في دمه، فهو متسامح إلى أبعد حد من حدود التسامح، على عكس العراقي مثلا الشديد المراس، أو المصري المعتد بكرامته.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٥٥