حاول النوم أن يغالب أجفاني، فلم يستطع إلا ساعة وبضع ساعة، صحوت بعدها على صوت المؤذن يؤذن لصلاة الفجر.
فنهضت منشرح الصدر، جذلان، فرحا؛ فقد قاربنا «جدة».
الوصول إلى جدة
صلينا الفجر وحمدنا الله تعالى، ولم أحاول النوم بعد فريضته؛ إذ حلقت نفسي في ذلك الفضاء المترامي، وذلك الكون اللانهائي، وغبت في تفكير عميق، مسبحة روحي باسم المبدع القدير المتعال.
كانت نسمات الصباح تثلج صدري، وكانت رؤية مصارعة الليل مع النهار في آخر جولة من جولات الصراع، من أبدع آيات خلق الله عز وجل، إنه لمنظر يتكرر في دورات الأرض اليومية، فإذا بالنهار يطلع، وإذا بالليل يغيب، ثم إذا بجيوش الليل تفوز ، وإذا بجحافل النهار أمامها تنهزم، فهما في صراع دائم، فبينما تتم لأحدهما الغلبة على الآخر؛ إذ بالنصر يؤاتي المغلوب، فلمن عسى يكون النصر في النهاية؟
سبحان من ليس له نهاية، ويأمر بالنهاية، ويشاهد نهاية كل شيء. فاللهم الطف بنا في النهاية.
أجل، إن في الليل راحة، وفي النهار شقوة، ولا معنى للراحة إلا بالتعب، ولا سبيل لاستكمال الكون إلا بتبادل الليل والنهار، هذه سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا. •••
انبثق نور الشمس في سبائك ذهبية رائعة، انتشرت في الأفق فزادته بضوئه البراق وزرقة السماء اللازوردية الرقراقة جمالا وأي جمال!
جمال إلهي يعجز أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء عن وصفه وتصويره، وظهر قرص الشمس أمام ناظري، وقد أورث الدنيا الحركة والنشاط والحياة، فقلت: سبحان ربي القدير الخالق. هذا هو قرص الشمس يتراءى أمام العيون، فماذا عسى يخفي وراءه؟ إنه ليخفي جانبا مجهولا من ذلك العالم المترامي، لا يقاس به العالم المعروف المشاهد.
هذا هو قرص الشمس الذي يبدو أمام الأبصار صغير الحجم، فإذا الأرض ببحارها ومحيطاتها وجبالها ووهادها وسهولها، وكل ما فيها من كائنات، قطعة منه، أراد الله أن تهوي حيث هي معلقة، تحيط بها أفلاك ونجوم ذات أبراج، فإذا ولى النهار الأدبار، وظهرت آية الليل، رأينا النجوم وقد انتثر عقدها في السماء، يسير بعضها شرقا، والآخر غربا، والبعض شمالا، والآخر جنوبا. وقد تبدو نجمة نخالها كأنها ستسقط على الأرض، فإذا بها تندفع إلى الفضاء اللانهائي المتلألئ، لا ندري منتهاها. وهكذا تسير النجوم في غدو ورواح بسرعة مئات الأميال في الدقيقة، بل في الثانية، ولم نجد نجما ارتطم بآخر على كثرة ما نشهد من نجوم لا تحصى ولا تعد.
وقد نقف أمام جهاز اخترعه فكر أحد الآدميين فنعجب به لدقة أدواته، وكثرتها، وحسن تنسيقها، وانتظام حركتها، ومع ذلك فقد تقضي عليه حركة تماس في بعض أسلاكه، فيذهب هذا الجهاز بددا. •••
أي عظمة وأي قدرة للخالق العظيم مبدع الكون الذي لم نسمع ولم نعرف - على بعد مئات الألوف من السنين منذ خلقه - أنه احتاج إلى إصلاح أو إلى تعديل أو إلى تغيير في أجزائه، أو تبديل، أو تزييت، أو تشحيم!
أين أولئك الملحدون الذين عميت بصائرهم عن الحقائق الإلهية التي لا ينكرها إلا المكابرون، أولئك الذين يتشدقون بأن هذا الملك العظيم خلق بالتفاعل! فليرونا أين هذا التفاعل في هذا الكون المترامي الأطراف الذي لا بد له من خالق، سبحانه!
بل أين التفاعل في أنفسهم، في خلق الإنسان وحواسه؟
أين التفاعل في غريزة الحسد، أو غريزة الطمع أو البخل؟
وأين التفاعل في غريزة الكرم؟ وأين التفاعل في غريزة الشجاعة؟ وأين التفاعل في غريزة الجبن والخور؟ أين التفاعل في هذه الغرائز الإنسانية المتناقضة المتباينة في جسم البشر؟
وإذا كان لكل جهاز صانع، ولكل اختراع مخترع، فكيف لا يكون لهذا الكون خالق؟!
ألا أيها الملحدون، موتوا بجهلكم وضلالكم المبين. •••
أفقت من هذا التفكير في عظمة الكون وقدرة الخالق، على نسمات زكية لم آلفها إلا في بلاد الحجاز، فعلمت أننا صرنا على أبواب جدة. كانت نسمات ذات أريج طاهر ينعش الروح، ويغذي الجسم، نسمات تهب من الأرض الطاهرة على حجيج «بيت الله» وقد قاربوا الأماكن التي بها قطعة من الجنة.