تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العقبة الكأداء

وانصرفت إلى تدبير أمور السفر، وإعداد العدة له، ولم أحسب أي حسابات لعقبات أخرى، وأي عقبة أو عقبات تقف في طريقي وقد ذللت في اعتقادي أكبر عقبة، ألا وهي السفر بالجواز العادي؟!

ولكن حدث حين قصدت إلى مكتب شركة البريد الفرعونية لقطع تذكرة على إحدى الباخرتين الخاصتين بنقل الحجاج، أن أبلغني مدير المكتب أن من المستحيل عليه أن «يصرف» لي تذكرة للسفر؛ لأن الأماكن بالباخرتين تشغل بمعرفة إدارة الحج بوزارة الداخلية، وأنه لا يمكن أن يسمح بسفر حجاج بجوازات عادية، بينما لا تجد الوزارة أماكن تتسع للحجاج ذوي جوازات الحج.

ضاقت الدنيا في وجهي، فقد عز علي أن أحرم من الحج، وأن تقف مشكلة ضيق الأماكن على ظهر الباخرة عقبة تحول دون بلوغي أعز أمنية عندي.

وأخذت أتردد على إدارة الحج بوزارة الداخلية كل يوم، صباح مساء؛ إذ لم يكن باقيا على موعد الحج إلا أيام معدودات، حتى علمت أن هناك باخرة هندية قادمة إلى السويس، هي الباخرة «روزماري»، فإذا وصلت في موعدها استطاع كل الحجاج أن يسافروا، وألا يتخلف عن السفر منهم أحد.

ومرت الساعات كأنها دهر طويل، وما أشد وطأة الانتظار على النفس القلقة، فما بالنا بالنفس المتلهفة على زيارة الحجاز وتأدية فريضة الحج!

وما كادت الساعة تشرف على السادسة حتى سارعت إلى إدارة الحج وقلبي شديد الخفقان، وطال مكثي، ومكث المئات من الحجاج المنتظرين، فاستعنت بالصلاة على قلق النفس، وما كدت أنتهي من صلاتي حتى جاءت البشرى بوصول «الطائف» إلى السويس، فضلا عن الباخرة الهندية التي تولت نقل إخواننا الحجاج من فلسطين.

هنا طارت نفسي فرحا، وهتفت من أعماق قلبي: «الحمد لله.»

على ظهر الباخرة

كانت «الطائف» تسير مسرعة في بحر هادئ صاف وطقس بديع، وكنا ونحن شديدو التلهف على الوصول إلى الحجاز، نخالها تسير خببا. وكنا لا نسمع في هذا الهدوء والسكون سوى ترتيل القرآن الكريم والأدعية، فكانت الباخرة في جميع أركانها وجنباتها وغرفها كأنها محراب للصلاة وعبادة الخالق العظيم، الغفور الرحيم. كان الحجيج أجمعون في طريق التوبة وسبيل المغفرة، جاهدين لتطهير أرواحهم مما علق بها في هذه الدنيا، دنيا الشهوات والأدران، والشرور والغرور، وكان شعارهم: «لبيك اللهم لبيك» إلى آخر التلبية.

وحين أشرفت «الطائف» على رابغ هيأت نفسي للإحرام بنية العمرة،

1

فقصصت من شعري وأظافري تجنبا لما عساه يسقط من الشعر في أثناء الإحرام بالعمرة، ثم اغتسلت وقلت بعد أن أتممت ذلك: «نويت الإحرام بالعمرة، فاللهم يسرها لي. لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.» ثم صليت ركعتين بنية العمرة.

والعمرة تقليد ديني حكيم، لا بد منها لدخول المرء إلى «مكة المكرمة»، البلد الذي به البيت العتيق، والذي به أول مسجد:

إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا

الآية الشريفة.

ومن الأدب الواجب على المخلوق حيال الخالق أن يمثل أمامه جل وعلا بلباس الفطرة الأولى، فلا زخرف ولا زينة، ولا أي مظهر من مظاهر الترف والرفاهية، خشوعا من النفس، وإقرارا بالعجز، واعترافا بعظمة الخلاق العظيم.

وكان الحجاج يغدون ويروحون على ظهر الباخرة مرددين التلبية: «لبيك اللهم لبيك ...» وهم بلباس الإحرام الذي هو إزار أبيض غير مخيط يستر العورة إلى مشط الرجل، وآخر يلتحفونه كغطاء القسم الأعلى من أجسامهم، مع بقاء الرأس عاريا، وانتعال نعال تظهر منها أصابع الرجلين والكعبان.

وعلى المحرم أن يحذر حك الجسم بقوة؛ منعا لتساقط الشعر، فإن كل شعرة تسقط عمدا توجب على المرء التصدق بما يقرب من أقتي بر. •••

ومرت الباخرة بميناء ينبع، ولم يعد لوصولنا إلى جدة إلا ليلتنا، وكانت آخر ليلة قضيناها بالباخرة من ليالي رحلة جميلة، شعرنا على قصرها بأنها طويلة الأمد؛ لتعجلنا ورغبتنا الملحة في سرعة السفر. وقد تمنيت لو أن كل الرحلات التي تعرض لي في حياتي تكون كلها رحلات لاستجمام الروح، وتطهير النفس، وانتشاء القلب بزيارة أقدس البقاع التي انبثق منها نور الهدى، وشع منها أبهر ضوء لأعظم مدنية لحمتها الفضائل وسداها الخير لبني الإنسان جميعا.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٤