تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت الساعة حوالي العاشرة من الصباح حين وصلت «الطائف» ميناء جدة، فتصاعدت الأصوات بتكبير الله وحمد الله، فقد وصل ضيوف الله في أمن الله وحمايته.

ونزل الحجيج في قوارب، ومعهم أمتعتهم «الثقيلة» منها و«الخفيفة»، ويا لحسن من اقتصر منها على الضروريات! فقد فاز بخفة الحركة وسرعة الانتقال والارتحال، أما من ثقلت أمتعته فقد كان في حيرة وارتباك، لا يدري كيف يحمل نفسه، أو يحمل أثقالا من أمتعته لا تغني شيئا في الحجاز الذي يتوفر فيه كل شيء.

ووصل زورقي إلى الشاطئ، وما كدت أضع قدمي على أرض جدة حتى سبح فكري مرة أخرى متسائلا: أهذه هي البلاد التي نشأت فيها أمة هداها بدين الله رجل واحد، وقادها في طريق المجد والعظمة أربعة رجال، هم خلفاؤه الراشدون! لقد عجبت كيف استطاعت هذه الأمة العربية القليلة البسيطة التكوين، الفقيرة في بلادها ومواردها أن تنشر مدنية هي خير المدنيات وأعظمها، وأن تزيل من الوجود إمبراطوريتين عظيمتين، هما: الفارسية والرومانية؟ بل وتمد فتوحاتها إلى أقصى أوروبا الغربية، فتحكم وتسود.

وها نحن أولاء المسلمين نعد بالملايين في هذا العالم، لم نستطع بعد أولئك الخلفاء الأربعة، وبضعة خلفاء يعدون على أصابع اليد الواحدة أن نفعل شيئا، بل إننا تدهورنا وسقطنا من حالق، وصار تراثنا المباهاة بما فعل الأجداد منا، وقد قال أولئك الأجداد:

إن الفتى من يقول ها أنا ذا

ليس الفتى من يقول كان أبي

أجل، لقد صرنا - ونحن مئات الملايين - نعيش عالة على الغرب، أسرى مدنية زائفة تميت الهمم، متباعدين عن تعاليم ديننا الذي أحيا العرب من عدم، وأهداهم من ضلال، وأغناهم من فقر، ورفعهم من ضعة، وأنشأ لهم مدنية قديمة سامية سادوا بها جميع الأمم.

ورجعت إلى نفسي أدعو الله أن يهدينا إلى الاستمساك بديننا حتى نحيي مجد الإسلام وعظمة المسلمين. •••

إن جدة بلد يصح أن تكون مرآة تعكس لزائرها صورة بلدان العصور القديمة العربية؛ فدورها عتيقة البناء، عتيقة الطراز، لا تجد في نوافذها لوحا من الزجاج، فترى بدلا من زجاج النوافذ حصيرا يطوى وينشر في حالة توقي البرد القارص أو الحر اللافح، هي بلد تصورها لك كتب العرب التاريخية والأدبية القديمة! غير أن بها جهة تمت إلى العصر الحديث، ففيها شارع رئيسي فخم شيدت على جانبيه الدور و«الفيلات» العصرية التي لا تجدها إلا في المدن الأوروبية والشرقية المتمدنة، وهو شارع طويل عريض، مرصوف بالمكدام، آهل بدور المفوضيات والقنصليات والبيوتات التجارية والمالية والشركات المختلفة.

إنك لتعجب: كيف جمعت جدة بين القديم المتناهي في القدم وبين الحديث العصري - «آخر مودة» - في فن العمارة والبناء!

والجواب على هذا السؤال هين يسير.

ذلك أن الحكومة العربية السعودية تعمل جاهدة لإدخال كل إصلاح على بلاد الحجاز، بل بلاد شبه الجزيرة العربية جمعاء، وهو الإصلاح الذي لا يستنكره الشرع، ولا يتنافر مع تعاليم الدين ويتفق مع روح العصر الحاضر.

لا تجد في جدة شيئا وسطا بين القديم والحديث، والسبب في ذلك يرجع إلى أن الحكومات المتعاقبة التي سبقت حكومة جلالة الملك عبد العزيز آل سعود لم تكن تفكر في أي إصلاح على البلاد الحجازية يقتضيه التمشي مع روح العصر الذي تعيش فيه! فلا عجب إذن إذا وجدت مظهر جدة اليوم كالرداء العتيق رقعه صاحبه برقعات جديدة قشيبة بهية الرواء.

لست أريد أن أمر بجدة دون أن أذكر لك أن فيها أسواقا تجارية تحوي جميع البضائع والسلع، وكلها رخيص متين متقن الصنع. •••

لم أنس قبل مغادرة جدة أن أمر بدار وكيل مطوفي السابق، ذلك الشيخ الكهل القديم الذي يحاكي قدم «جدة»، والذي لا جديد فيه، ولا في ردائه أو غطاء رأسه أو طراز نعله، الذي لا جديد فيه على الإطلاق إلا منظاره الذي استعاره كرها من حاجات العصر الحديث بدافع الحاجة إلى تقوية ناظريه، وفي اعتقادي أنه لو كان في استطاعته أن يبدله بشيء قديم، ونعني أن يستغني عنه بشيء أصيل من حضارة عصره هو، لا عصرنا نحن، لفعل وايم الله!

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٦