وتوجهت أنظار عثمان بعد ذلك إلى دولة الروم، وكان يعلم أن معاوية بن أبي سفيان شغوف بالقضاء على تلك الدولة البيزنطية، فعهد إليه عثمان في أمر فتحها.
وكان معاوية يعلم حق العلم أن الروم على حذر من المسلمين بعد انسلاخ الشام ومصر من أملاكهم، وكان يعرف صعوبة بلاد الأناضول ووعورة جبالها، وأن فتحها من طريق البر أمر عسير؛ لذلك فكر في أن يتخذ طريقه من البحر، فيستولي على أهم النقط والثغور، ثم يتوغل في سائر البلدان البيزنطية.
واستطاع معاوية أن يستولي على كريت ورودس، وأكثر الجزر التي استخدمها بعد ذلك في توجيه حملته أيام خلافته إلى القسطنطينية ومحاصرتها.
لقد كان للعرب أسطول بحري يخفق عليه علم المسلمين مرفوعا على كل شراع لكل سفينة من السفن العربية، وكأنما رسول الله
صلى الله عليه وسلم
حين قال حديثه الشريف الذي معناه: الاستشهاد بالجهاد بحرا يكفر عن الكبائر مهما تعظم. كان يحث الأجيال اللاحقة على الإقدام على الاستشهاد في الجهاد بحرا، ويحث على بناء الأسطول البحري الإسلامي؛ إذ كان يعلم أن أمته ستكون في مد فتوحاتها محتاجة إلى الأسطول البحري.
المنازعات بين أئمة الإسلام
لا بد لكل بداية نهاية، وسنة الله في خلقه تقضي بنهاية كل كائن حي، فالدول كالأفراد، لا بد لها من أن تشيخ، وقد كمل نمو الأمة العربية بوساطة نظم تامة الكمال، فلا بد إذن من أن تنحدر إلى الضعف والشيخوخة، وليس أقتل للأمم من المنازعات بين أئمتها وكبرائها، فإن هذه المنازعات تفضي إلى الفوضى والاضطراب والفتن والدسائس والوشايات، إلى غير ذلك من النقائص الاجتماعية التي تقضي على آجال الأمم. وقد كانت تلك الحال المؤلمة هي التي تمخض عنها قتل عثمان الخليفة الثالث للرسول الأعظم، وهو الخليفة الذي كانت مبايعته تكاد تكون بإجماع المشيرين في الدولة العربية، كما قدمنا.
فقاتل الله الفتنة.
وينبهني المدعي إلى ما أنا فيه من شرود الذهن بقوله: «تقدم يا هذا إلى هذا القريب، إنه قبر إبراهيم ولد الرسول.»
حييت ابن الرسول
صلى الله عليه وسلم ، ورضوان الله عليه بما حييت به أولياء الله السابقين، ثم استعرضت بعين مخيلتي ذكرى مرضه الأخير، وكيف أن الرسول نقله إذ ذاك إلى مصيف في أحد بساتين المدينة كما ينصح الأطباء الآن مرضاهم حين يرون أنهم في حاجة إلى تغيير الهواء، ولا غرابة، فقد كان الرسول خير طبيب، وإننا لا ننسى كيف أنه قبل من المقوقس مارية القبطية هدية، ورد الطبيب قائلا: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع.»
انتقل النبي بولده إلى المصيف ومعه أمه ماريا وخالته سرينا، وكانت كلتاهما تمرضه، وكان الرسول يرعاه، ولكن ذلك كله لم ينفع، فقد قضت إرادة الله أن ينتقل ابن الرسول إلى جوار ربه في جنات النعيم.
ذكرت كيف أن الرسول احتضن ولده وهو يلفظ النفس الأخير قائلا ما معناه: «إن أباك لا ينفعك يا إبراهيم، وإن أولاد الأنبياء يموتون، كما أن الأنبياء يموتون.»
فما أعظم أخلاق النبي، وما أعظم إيمان النبي بقدرة الله.
وذكرت كيف أن إيمان ماريا لم يتزعزع بموت ولدها، وهي تعلم أن أباه رسول الله، فكان لها من قوة إيمانها ما تدرك به أن الله هو وحده الحي الباقي، يرث الأرض وما عليها.
ورأيت بعيني مخيلتي دموع الرسول تنحدر من عينيه الشريفتين وهو يقول ما معناه: «إن العين لتبكي، والقلب ليحزن عليك يا إبراهيم.»
فما أصدقه من تأبين سنه الرسول
صلى الله عليه وسلم
بهذه الكلمات.
وذكرت كيف أن الرسول، الرجل العالم حقا حين سمع أحدهم مواسيا: لقد شاركتنا الطبيعة في الحزن على إبراهيم، وها هي ذي الشمس قد كسفت لوفاته، فرد عليه
صلى الله عليه وسلم
بما معناه: «كلا، حتى لو مات النبي إن الله لا يغير من سنة العمران شيئا.»