تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الروضة النبوية

خرجت من البقيع متسائلا متعجبا إذا كان هؤلاء هم سكان المقابر الأموات، فأين إذن العمران أو الأحياء؟! إن أرض البقيع تضم هاتيك الشخصيات العظيمة التي لو بعثت إلى العالم من جديد لتغيرت الأرض غير الأرض، فزال النزاع، وانحسم كل خلاف، ولعاشت الأمم أخوات، في: «سلام، وأمن، وود، ووئام!»

وذهبت إلى الحرم النبوي الشريف لتأدية صلاة المغرب في الروضة، وقد تركني المدعي، رجاء أن يصحبني في الصباح الباكر لزيارة المعالم الدينية الأخرى.

في جبل أحد والمساجد الخمسة

كانت الساعة السابعة صباحا حين حضر المدعي إلي وأخذ يناديني من فناء المنزل، لكي أسرع في النزول.

لم تمض دقائق معدودات حتى كنا نستقل السيارة إلى جبل أحد، ولا يبعد الجبل عن المدينة أكثر من عشرين دقيقة بالسيارة، فلما وصلنا إليه وجدته جبلا شامخا، يحد المدينة من الحد الشامي الغربي، أي: من الجانب الشمالي الغربي.

وفي سفح الجبل يرى الزائر قبرا طويلا عريضا، وعلى مقربة منه بعض القبور متجاورة متقاربة.

أما القبر الأول فهو قبر حمزة رضوان الله عليه فقد استشهد في غزوة أحد، وكان الذي اغتاله غدرا وغيلة عبدا من عبيد بني سفيان، جاءت به هند امرأة أبي سفيان، ليترصد حركات حمزة في المعركة، حتى إذا ظفر به قتله، ثم وعدته بفك رقبته.

ويشاء الله أن يظفر المسلمون بأعدائهم في البداية، وأن يسارعوا إلى اقتسام الغنائم والأسلاب، وأن تخالف مؤخرة جيوشهم ما أمر به الرسول، فيتركوا أماكنهم؛ طمعا في مشاطرة سائر فرق الجيش تلك الغنائم والأسلاب، فينكشف الجيش للأعداء، ويكفي أن يكون في قيادة جيش الأعداء خالد بن الوليد الذي لم يكن قد أسلم بعد، ليرى هذا الضعف فرصة في مداهمة جيش محمد من الخلف، ويكون عبد بني سفيان على مقربة من حمزة، فيسدد إليه سهمه ويصيبه في مقتله.

وبهذا انقلب سير القتال، وحل الاضطراب في جيش المسلمين، وتمكنت هند في خلال ذلك الهرج والمرج من العثور على جثة حمزة، فانتزعت منها كبده وأكلتها، ثم مثلت به إمعانا في الانتقام منه؛ لأنه ثكلها في أعزاء لها كثيرين.

ولقد كان حمزة رضي الله عنه شديد البأس، لا يهاب الموت، ينصب على الأعداء كما تنصب الصاعقة، شجاعا، بل كان خير من امتشق الحسام، وجال وصال في مواقع النضال، وميادين القتال. •••

لما انتهت المعركة بهزيمة الأعداء، بعد أن كر عليهم المسلمون وأعملوا فيهم السيف فولوا الأدبار، نقول: لما انتهت المعركة وسأل الرسول

صلى الله عليه وسلم

عن حمزة، وقيل له إنه استشهد، بكى النبي، وسأل له الرحمة والرضوان.

ولما رجع المدينة ووجدها في حزن عظيم، وكل شهيد تندبه الأقرباء، عز عليه ألا يندب أحد حمزة، فاستحضر من يبكي عليه، ولا يمنع الشرع هذا، وإنما يمنع شق الجيوب ولطم الخدود، فهذا الأمر منهي عنه.

جبل أحد

كان الرسول يحب جبل أحد حبا جما، وكان يقول فيه: «هذا أحد جبل يحبنا ونحبه»، إشارة إلى انتصار المسلمين في هذه الغزوة المشهورة باسم هذا الجبل، بعد ما منوا به من خسارة في أول الأمر، خسارة لم يرضها الرسول، فإنه أمر الجيش ثانية أن يتبع جيش المشركين ويوقع بمؤخرته هزيمة نكراء.

وحدث ذات يوم بينما كان الرسول واقفا على هذا الجبل ومعه أبو بكر وعثمان وعلي؛ إذ حدثت هزة أرضية، فقال الرسول: «اثبت أحد، فإن لعليك نبيا، وصديقا، وشهيدين.» وهذه نبوءة لرسول الله بأن عثمان وعليا سيموتان شهيدين.

وتركنا قبر حمزة بعد أن حييناه هو والشهداء المجاورين له بما حيينا به الراقدين في قبور البقيع، وبشرناهم بقرب الساعة، وأن الله يبعث من في القبور. •••

قصدنا إلى المساجد الخمسة، وهي متقاربة، وتعتبر من الآثار الدينية القديمة، وقد أطلق عليها أسماء بعض الخلفاء الراشدين والصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين وقد زرتها واحدا بعد الآخر، وصليت في كل منها ركعتين، ومن بين هذه المساجد الخمسة: «مسجد القبلتين» الذي ترى فيه أثر القبلة، وقد كان اتجاهها بيت المقدس، ثم الاتجاه الحالي إلى مكة؛ ولذلك سمي مسجد القبلتين.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٥٠